السبت، 28 يوليو 2012

بعض من قصائدي


(صــــــــــدفــة )
بقسم الرواية , في جرير (العليا) .. الساعة ثمان وخمس وبضعة ثواني
مر الغزال اللي توامض ثريا ,, وبعيونها فيض الغج والأماني
قوامها عود الليان النديا ,,, منحوت من عاجٍ ومن شمعداني
قلت اسمحي لي بعض وقتك شويا , أخاف صدفتنا ما تنعاد ثاني
دام الوضع لقلوبنا قد تهيا ,, للوقت , للصدفة عظيم امتناني
هيا , قولي لي أسمك العذب , هيا ,, ابنحته على منصة جناني
قالت أنا بنت الأمير ( الم***) ,, وإذا تبي اسمي فاسمي (تهاني)
قلت : ارحبي في وسط صدري هنيا , وسط الحشا تحويك حدب المحاني
يا مرويٍ روحي من الحب ريا , ويعازفٍ عمري لعمرك اغاني
والله لطوي خطاك بخطاي طيا , والله لو دربك سهيل اليماني
(اكـــتئــاب )
الله يا وسع الشتاء للكآبه ,, وياضيق صدر الليل عن بعض الاحزان .

اليا هربت من العنا للكتابة , لقيت دون أوراقي البيض سجان .

سجنٍ بنيته حارس عند بابه , يصيح بعض البعض من خلف قضبان .

اليا فترسك الحزن وكشر بنابه , قدم بعضك لبعض فدية وقربان.

ياهيه يامن قال ساعة إجابه , هذي ثلاث سنين والله رحمن .

أغبى سؤال اللي يحمل الإجابة , وأغبى إجابة مصادرة دون برهان

أمشي يتناثر حولي الحزن غابة , أقف وأنا المصلوب من فوق صلبان.

لو العزاء باللي كبيرٍ مصابه , وش العزاء باللي خسر فيه الإنسان ؟
--------

(رفــقاً بالــــقوارير ) ..
يقول رفقا في قلوب الغنادير , وأصفح عن اللي صار منها وقالت .

الحب عابر , والأماني مسايير , ولا هي بيدك ,ساعة البعد آلت .

ياما نسكبنا في هذيك القوارير , ما تنكسر إلا نزفتنا وسالت .

الرفق ماهو لفظ مخمل وتعبير , يا ما غرفت منه الأوادم وشالت .

لكنه القدرة على أحداث تغيير , في فلسفة معنى الهجر يوم بانت

يعني نقول أحيان من باب تبرير , مثل النخيل إن طالت سنين مالت .!



الرفق ماهو لفظ عابر وتعبير , يا ما غرفت منه الأوادم وشالت ,,

لكنه القدرة على أحداث تغيير , في فلسفة معنى "الهجر" يوم بانت ,

يعني نقول أحيان من باب تبرير , أن النخيل أن طالت سنين مالت ..!
-----
( عيد دون عيد ) ..
 
(أقول في نفسي وأنا اعايد الناس , متى أشوفك تكمل أفراح عيدي )
 
ياللي خلقك الله منحوتة الماس , وأذبت من لاهب غرامك جليدي
 
العيد في غيبتك يتلحف الياس , وانا اتلحف عطرك الغض بيدي
 
أما ترد وتسكر الروح بانفاس , وألا أنزف اللي باقين بالحميدي

------
 
( قسم ) ..
 
الله لا يبرد عظامك يبو قراط , لولا قسمك أني لرقم مضاوي
 
تمشي وكن برجلها جرح وخياط , من رقة إيقاع المشسي والخطاوي

-----
(مع الليل) 

والتين والزيتون .. وعيونك الحلوات

و الضحكة الأفيون ..ومهامس الهمسات

فديت هالاجفون ..يا ساحر النظرات

والليل يالمزيون .. ومكاتم الآهات

لاجيت لك مشجون ..تدفعني الرغبات

لجسمك الــمسكون ..بأبدع الــــلذات

ثم آكلك بالـــهون ..وانهيك في لــحظات

 -----------
(تساؤلات )

دكتور ؟ واضح ! فشلت اعالج جروحي , مادامك الجرح كلي للألم وافي .

أصبر ؟ وأنا مابقى لي منك ياروحي , إلا الرجا في بقايا شمعي الطافي

أغيب عنك ؟ يا كيف وقمة طموحي , أكذب اللي حصل من فعلك الجافي.

أعود ؟ يمكن مادام أحساسك يفوحي , وعليه قلبي مشى متبختر وحافي .
 









 

الاثنين، 23 مايو 2011

الإمبريالية الإسلامية والمسيحية ..

كان المجتمع الجاهلي_مع التحفظ على هذا الوصف_ مجتمعاً مثقفاً وتعددياً ..وكان في الكعبة أكثر من 300 مائة صنم , تمثل إتجاهات دينية عديدة , وكل صاحب دين يأتي ليمارس طقوسه العبادية الخاصة , دون اعتراض . وحينما ظهر محمد "ص" لم تكن ثمة مشكلة في ظهوره... , ولم يتعرض له أحد , إلا في بعض الروايات اللاحقة التي تحاول أن تضفي بعد ميلودرامي للدعوة المحمدية ..ولم يتعرض للتعذيب إلا العبيد ليس بحكم اسلامهم , وإنما خشية من كسر النظام الإقتصادي والإجتماعي السائد , وخشية من ثورة العبيد على اسيادهم ..وهو وضع _أي الرق_ لم يرفضه الإسلام وأبقى عليه ..أما ترتيب عقوبة "تحرير رقبة" في بعض العقوبات , فليس الهدف التحرير , وإنما لأنها عقوبة كبيرة وفيها خسارة مادية كبيرة , تردع مرتكب الذنب عن ارتكابه مرة أخرى , ولم يكن القصد منها , إلغاء نظام الرق ..هذه نقطة أولى ..النقطة الثانية : أن أي تجمع بشري في رقعة جغرافية معينة , يكون دخله محصور في طبيعة هذه الرقعة الجغرافية , وبطبيعة النمو والتكاثر لهذا المجتمع , تكون الموارد الموجودة غير كافية , ومن هنا تأتي فكرة الغزو على الآخر ..وإن كان يغلف بشعارات من قبيل الفتح الإسلامي , أو نشر الديمقراطية لاحقاً ..بينما الهدف منه هو اقتصادي و لتوفير مصادر دخل أكثر , وإن كان يمكن دخول شعارات من هذا القبيل إلا أنها ليست من جوهر مثل هذه الإمبرياليات ..فكرة أن الغزو الإسلامي كان من أجل أن يدخل الناس في الدين , هو تماما مثل تصور المسيحيين عن الحملات الصليبية ..كل شخص يتصور أن دينه الأفضل والذي يجب أن يبشر به , وهذا حق لكل شخص أن يدعي ما يشاء , ويبشر به .لكن فرضة بقوة السيف أو التوماهوك , هو ضد القيم وضد الأخلاق وضد طبيعة الدين نفسه , بحسابنه علاقة خاصة بين العبد وبين ربه تقوم على الإيمان لا على الإكراه ..وبالتالي حتى يكون الموقف الأخلاقي للشخص موقف متماسك عليه إما أن يرفض فكرة الغزو كائن ما كان الشعار المرفوع , أو يقبل كل حالات الغزو كائن ما كان شعارها . وأنه بغض النظر عن الإنتماءات الدينية إلا أن التعدي على أي شخص تحت أي شعار هو فعل لا أخلاقي ..ولان الشيء بالشيء يذكر فقد كانت فكرة النباتيين في رفضهم أكل الحيوانات , ليست هل هي تفكر أو لا , وهل هي تعقل أم لا ؟ وهل هي تتكلم أم لا ؟ وإنما السؤال المهم : هل هي تتألم أم لا ؟! وطالما هي تتألم فمن غير الأخلاقي إحداث فعل الألم بمن يشعر بالالم بحجة عدم قدرته على التعبير عن هذا الألم ..مثلا هل يصح لك تعذيب شخص أخرص ؟! او شخص مجنون ؟! لأن الأولى لا يستطيع أن يعبر عن الألم , والثاني غير عاقل ؟! أم لا يصح فعل ذلك في الحالتين لأنهما يحسان ؟! وهذا هو المحك "الإحساس"..والله المستعان ..!

في مفارقة الشيخ والسرسري .

هو : شيخ من شيوخ الأحتساب , لا يشق له غبار , لأنه بكل بساطه لا يثير إلا الغبار ..

معيض : شيخ من شيوخ السرسره , لأنه بكل بساطه عاطل عن العمل والأخلاق ..

هو و معيض : لا ينظران للمرأة إلا انها فتنة وجسد ..وكلاهما تبعا لهذا التصور لطبيعة المرأة ي...يقومان بمضايقة المرأة , أما بفرض ان تأخذ رقم معيض , أو أن تأخذ تعليمات فضيلته ... كانت الغاية لكليهما أنها "مشتاهه", لمعيض "صديقه" ولفضيلته "صديقة مسيار" ..

المفارقة أنه رغم هذا التماثل والتطابق في الدافع , السلوك , الغاية بينهما ..لا يصح لك أن تصف فضيلته بالسرسري , ولا أن تصف معيض بفضيلته ! ...

تحريم قيادة المرأة للسيارة والحنتور ..

كتبت احدى الأخوات _مستفهمة مستنكرة_ سؤال : لو أن امرأة في أحد الشوارع السعودية تقود عربة يقودها حصان , هل سيتم القبض عليها ؟! وبأي تهمة ؟! ॥الجواب في الرد القادم والله المستعان , وكفانا الله شر بني علمان
الجواب : نعم سيتم القبض عليها بتهمة مخالفة الشريعة ..لانها امرأة وتقود حصان ..والحصان ذكر , والذكور من أي جنس , قوامون على الأناث من كل جنس ..ولكن هناك رأي فقهي آخر أن العربة أنثى ويقودها الحصان ..وهذا جائز لان الحصان "ذكر" يجب أن يكون في ا...لمقدمة ..ولكن من باب سد الذريعة بين الحصان والعربة ..يجب المنع ..!وهناك تخريج جيد وهو : أن يترك الحصان يقود العربة ..وتقوم المرأة بالجري خلفهما ..فهنا يتحقق التالي : 1- أن المرأة لا تقود الحصان ..2- أن يبقى الحصان قوام على العربة ..والله الهادي ..!


الجمعة، 22 أبريل 2011

عفن نادين البدير , لا عفن الليبرالية ..

مقال نادين البدير عن (العفن الليبرالي) هو مقال سخيف , من كاتبة ليس لها في الفكر ناقة ولا جمل مع الاسف الشديد ॥إنها لا تعرف شيئا مطلقا عن الوضع السعودي , وعن ما فعله الليبراليون , وكيف أن اللبرالي السعودي لا يواجه فقط استبداد سياسي , وإنما ديني , وقبلي , وفئوي , ومناطقي । كل الدوائر الإجتماعية في البلد هي دوائر استبداد تتولد منها دوائر استبداد حول الليبرالي । ومع ذلك في كل القنوات الممكنة حضر صوت الليبرالي في الاصلاح , وفي نقد الخطاب الديني । لكن ماذا تريد الأخت بدير ؟! تريد بلطجة كتلك التي يمارسها الإسلامويون في المجتمع السعودي تحت دعوى "الاحتساب" । أن التيار الديني السعودي هو التيار الذي يجوز له التجمع , وله نصف مليون محاضرة سنوية , غير خطب الجمعة , وهم الذين يكتبون مناهج التعليم । لقد جعلتهم الدولة خلال أربعين سنة يعيدون تشكيل البنية الفكرية والثقافية للمجتمع । ثم تريد من اللبرالي أن يملك عصى سحرية ليحول المجتمع إلى مجتمع لبرالي ॥ما هذا السخف والغباء ؟! أي متابع للمنتديات الليبرالية والصحف الليبرالية السعودية , يدرك كيف أن الخطاب الليبرالي السعودي كان بالمرصاد أن تحليلا أو تفكيكا أو كشفاً عن حماقات وسذاجات الفكر الديني ॥ثم تتحدث أن اللبرالي إذا سئل هل هو لبرالي , لا يصرح بذلك _وهذا الكلام غير صحيح على اطلاقه ولكن فرضا_॥ فكان ماذا ؟! أن سؤال اللبرالي هل هو لبرالي , هو مثل سؤال شخص هل هو كريم أو بخيل ।ها سؤال غبي , من يحكم على شخص بأنه لبرالي أو كريم , هي أفكاره ومبادئه , وليس هو وما يدعيه لنفسه , فالدعاوى عريضة ولا تثبت إلا بدليل . هذه شكليات غبية جدا ॥إن العمل الذي يجب أن يضطلع به المثقف في مجتمع متخلف , هو في تطبيع المفاهيم والمضامين لا الإنشغال في المسميات والشكليات ॥هذا المجتمع الذي تعرض لخطاب تشويه للعلمانية ولليبرالية , لماذا على المثقف أن يصنع حاجز نفسي بينه وبين هذا المجتمع حينما يصنف نفسه لبرالي ؟! مع قدرته على تسويق كل افكاره الليبرالية دون أن يثير خوف وقلق الناس , الذي تواطئ في خلقه الديني والسياسي . المجتمع يجب أن يعالج بطريقة "إزالة التحسس الديسنستايزيشن" وليس عن طريق "الغمر" ॥الناس تمارس افكارها ثم لاحقا تنحت المصطلحات الوصفية لهذه الافكار , الناس مارست اللغة ثم لاحقا وضعت قواعد اللغة , الناس مارست الليبرالية ثم لاحقا نظرت لها , الناس مارست القانون , ثم لاحقا قامت بوضع مدوناتها القانونية ..الإنشغال بتطبيع مفهوم الليبرالية في المجتمع , قبل تطبيع وتجذير مفاهيمه , هو حكم بفشله ابداء , وهو عكس لطبيعة الأشياء ..ولهذا اقول دوما للأخوة : لا تكتبوا مقالا عن الليبرالية , وإنما عن مضامين الليبرالية , أكتب مقالا أو تحدث عن :حرية المعتقد , حرية التعبير ,حرية المرأة , تفعيل مؤسسات المجتمع المدني , توسيع المشاركة المشاركة الشعبية , فصل السلطات ..هذه المبادئ يحبها الجميع , ولا توجد هناك اي حساسية منها , وحينما تطبعها في المجتمع , وتجذرها في الوعي العام . أكتب حينها مقالا عن الليبرالية أو العلمانية وقل للناس : إن هذه المصطلحات التي تخشون منها , هي بحقيقتها وبمضامينها , المبادئ التي تؤمنون بها وتمارسونها كما تقدم ..أن نادين مع الأسف الشديد لا تع ولا تعرف الصعوبات والتحديات التي تواجه المثقف الليبرالي في السعودية ..فرائف بدوي لانه أنشأ الشبكة الليبرالية السعودية , أمر المفتي وزارة الداخلية , بتجميد حساباته البنكية , ومنعه من السفر ..بينما حينما جاءت المجموعات الدينية لمعرض الكتاب ,و خربت , ودمرت , وكفرت . أنطلاقا من فتوى بعض المشايخ بأنه مكان للكفر وترويج الرذيلة . لم يحاسب اي من مشايخهم , والبلطجية تم حجزهم ليلة واحدة فقط , ثم ذهبوا ..يا جماعة الخير , شيء من المعقولية رجاء ..حينما خرج الودعاني المعارض في الرياض للمطالبة بمملكة دستورية , هاجمه الناس بحجة انه "رافضي" ! , وكادوا يقتلونه لولا تدخل الشرطة !. لقد كاد الشعب أن يقتل من خرج من أجله !! وحمته الحكومة التي خرج عليها !..أمام هذه العقلية متخلفة , و التي تقوم على المذهبية , والفئوية , هل تريد لليبرالي أن ينزل للشارع مثلا , حتى يحتاج للشرطة لتحميه من الناس , الذي خرج من أجلهم ؟! هذا سخف وغباء ..نعم إذا كانت ندين وبعض الليبراليين يريدون طرح رديكالي , لا يضع بالحسبان الوعي جمعي , وكيفية الرفع منه بطريقة لا تؤدي إلى فقده ..نقول لهم : تفضلوا , أهلا وسهلا ..مع علمنا من خلال سنواتنا الطويلة أن الذين تبنوا الطرح الليبرالي الرديكالي , ظل خطابهم خطاب يعاد تدويره في الوسط النخبوي فقط, وليس له أي حضور في الشارع , الذي يفترض من المثقف أن يساهم في تشكيله والرفع من مستواه الفكري . الخطاب الرديكالي ظل خطابا يعاد تدويره في صالونات النخبة دون فاعلية شعبية ذات قيمة..بينما بقيت الساحة فاضية للديني وللمتخلف حتى يقوم بادلجة الشعب , بلغة يفهمومنها , وبمادئ يؤمنون بها ..ولأن على الليبرالي أن يؤمن باللعبة الديمقراطية , وصناديق الأقتراع , سيصعد هؤلاء المتخلفون ليكونوا هم صناع قرار , ويدخلون البلد في قرون مظلمة , بينما الليبرالي الرديكالي يولول في صالوناته الخاصة , التي دور بها خطابه المرات تلو المرات .وترك الشارع لغيره ! ...

الاثنين، 14 مارس 2011

يوسف الأحمد , والدور الحقوقي المزعوم ..!

هناك مقولة جميلة لأينشتاين : ( العقول التي تكون جزء من المشكلة , لا يمكن أن تكون جزءاً من الحل) .. نقل أحد الأخوة مقطعا ليوسف الأحمد , يوجه فيه رسالة لمحمد بن نايف , بخصوص المعتقلين . ويرى هذا الأخ أن الأحمد هنا تجاوز التيار السائد الذي ينتمي إليه , وأنه في هذا الخطاب إلى محمد بن نايف , ينطلق من موقف حقوقي وإنساني يشكر عليه ..ولي مع هذا الكلام وقفات :

أولاً : الأحمد قاد عملية ( بلطجة احتسابية ) في معرض الكتاب , دون أدنى اعتبار لحقوق الإنسان , وكرامته , أو حتى قهره ..ومارس وصاية فجة , ومصادرة لكل الاتجاهات , والأفكار ..و هو بذلك أخطر من المستبد السياسي الذي تحركه المصلحة , فهو يتعبد الله في التعدي على الناس , تحت شعار : ( إنكار المنكر ) وهو يرى أن من يخالفه ضال مضل , وأنه هو الوحيد الذي يقرأ النص كما يريد الله للنص أن يكون ..إذن المتابع لهذا المعتوه يدرك أنه ) مستبد ديني ) وممارس (للعنف ) في فرض توجهه الديني ..فهو ينهى عن خلق ويأتي بأقبح منه ! ..

ثانياً : في هذا الخطاب , لا ينتصر الأحمد للإنسان , أو للحقوق ..هو ينتصر لفئة وطائفة معينة عبدالله السعد , الريس , عبدالعزيز الجليل , سليمان العلوان , وباقي التوجهات التي تتبنى العنف , انطلاقا من تصور ديني ضيق , كما هو الحال بالنسبة للأحمد نفسه , الذي ليست عنده هو كذلك مشكلة في تبني (العنف) لفرض توجهه الخاص , وكسر احتكار الدولة للعنف , وقلب البلد على مليشيات تمارس العنف تبعا لتصورها الأيديولوجي الخاص ....فالشخص الحقوقي المحترم , هو من ينتصر لحقوق الجميع , بغض النظر عن الانتماء الايدولوجي والفئوي للمساجين ..

ثالثاً : تضخم الأنا , وهو أنه قام بهداية المئات من الشباب "كذا" ! ..وأن طالب علم وصاه على بيته ..والحقيقة لا أعلم كيف يمكن لشخص يحترم نفسه أن يوصي يوسف الأحمد على بيته .! فالأحمد تبعا لتصور سيكولوجي وأيديولوجي لا ير المرأة إلا ( فتنة ) و ( عورة ) ..ولهذا كان يقاتل قتال شرس ضد الاختلاط , لأنه لا يتصور أن توجد هناك صلة بين الرجل والمرأة إلا أن تكون صلة ( جنسية ) ..فالذي ينطلق من هذا التصور , لا يمكن أن يستأمن على أي امرأة , لأنه يستبطن مسبقا "فتنتها" ضمن قولبة (جنسية ) لها , يتعبد الله بها ...!!

رابعاً : لا يعرف للأحمد أي نشاط إصلاحي , فهو دائما مشغول بقضايا "النساء" , كأنه السيدة "جويل" في الأم بي سي , ولكن بالجهة المضادة ..وفي مقال ساخر لخلف الحربي , ذكر أن الأحمد يغار من زوجة عادل فقيه , لأنها ذات نشاط احتسابي اجتماعي رائع , في توظيف ودعم العمل النسائي , والجمعيات التنموية , والخيرية , بينما الأحمد ظل مشغولا بعورة المرأة والحفاظ على فرجها ! ..

خامساً : هذا الخطاب أتى بعد خطابه السابق , في المطالبة بالإفراج عن بعض (البلطجية ) المخربين في معرض الكتاب , فهو لا يدافع عن المفكرين والمثقفين الذين يطالبون بالإصلاح , ولا يستخدمون العنف في فرض قناعاتهم الدينية..بل هؤلاء عنده يجب أن يحاسبوا لأنهم مفسدون في الأرض , يسعون لتغريب المرأة المسلمة , طبعا كل من يختلف مع قراءة الأحمد الدينية هو تغريبي ! . فهذا هو صاحب الخطاب الحقوقي والإنساني الرفيع :) ..

سادساً : ظهر الأحمد بعد دعم من بعض القوى بشكل قوي , في هجوم ضد خالد التويجري ..وكان الهدف , هو إقناع القوى الأصولية , أن القرارات التي أتخذها الملكة عبدالله , والتي يصفها هؤلاء الأصوليون "بالتغريبية" هي بسبب خالد التويجري , وإلا الملك على الفتوى السائدة , ومع العلماء ! ..وكان هذا لكسب تعاطفهم , ظنا منهم أنهم سيلعبون دور في كبح ثورة حنين , والتي كان سبب عدم ظهورها ليس الموقف الديني , وإنما الوعي السياسي المتدني , وحداثة التجربة في المجتمع السعودي ..!وإلا الشعب وحتى الدولة نفسها تجاوزا الخطاب الفقهي والتقليدي الجامد لهيئة كبار العلماء , مع التقرير أن الفتاوى ليست ملزمة ..

سابعاً : ما هي الممارسات التي يرفضها تيار الأحمد ؟! الأحمد لم يدعوا للملكية الدستورية . ولا إلى فصل السلطات , و لا إلى حق التظاهر والتعبير السلمي , لم يطرح أي فكرة لا يؤمن بها التيار الذي ينتمي إليه .. كذلك لم يطالب بحقوق من يختلف التيار الذي ينتمي له الأحمد معهم مذهبيا أو أيديولوجيا ..الأحمد يطالب بالإفراج عن المحتسبين الذين تورطوا في العنف , وطلاب العلم _حسب وصفه _ الذين يجب أن يكونوا في هيئة كبار العلماء , من أصحاب الفتاوى المتطرفة ..فأي فكرة جديدة أو إصلاحية ذكرها الأحمد ؟! طبعا المطالبة بالعفو عنهم , كانت بعد مدح لوزير الداخلية ونائبه , وتجاوزهم عن من تورطوا بعنف أشد , وبالتالي تبعا للقياس الأولوي , يجب الإفراج عن البقية ممن لم يمارسوا القتل حتى الآن , فهم مازالوا في طور "الضرب" و "التعدي" ليس إلا ..أما باقي التوجهات فيجب محاكمتها لأنها تعيث في الأرض فسادا , وتريد تغريب المجتمع ...ونعم الحقوقي , وصاحب اللغة الحقوقية الممتازة :) ...

الأحد، 6 مارس 2011

ساعتك أبرك يا (عبدالله الجاسر ) ..

في الفلم الشهير لميل قبسن ( القلب الشجاع ) , يشير أحد أعوان الملك على الملك , أن يرسل ابنه للتفاوض مع الثائر الأسكوتلندي ( والاس / ميل قبسن ) يرد الأب /الملك : لو بعثت أبني إليه , فسيطمع بعرشي , أصغر راعي في سكوتلندا ! ..هذا بالضبط ما حدث مع "عبدالله الجاسر" و (ساعته المباركة ) حينما سأل عن الحسبة _ والتي لا تعني ألا الوصاية , والتطفل , من قبل أطفال , وأزلام , ينساقون كالبهائم , ويتدافعون لتقبيل رأس شيخهم , الذي أدرك أنه لو عرض للبيع _أي رأسه _ في أي مزاد لحقق قيمة عالية , ليس لأنه يحمل شيء مهم , ولكن لأنه قليل الأستخدام , ولم يستهلك ! _إذ قال : ( أبركها من ساعة ) , وطمع به أصغر صعلوك محتسب ! ..اليوم في المعرض في كل زاوية , وفي كل ناحية , وفي كل حاوية , يوجد "متحسب" , من الحجم العائلي , وحتى "البيبي مطوع" , لدرجة أنني كلما أخذت كتاب , نفضته خشية أن يوجد به "محتسب" , من أصحاب ( الساعة المباركة ) ..طبعا أنا لن أوجه أي نقد لهؤلاء , الذين يفتقدون إلى الحس الذوقي , والأخلاقي , والمعرفي . والذين كانوا يتطفلون ويحتسبون : تغطي يا مره , وقرن في بيوتكن , لا تصور , لا حول الله , الرجال اللي خلاف عمرو سليمان ! ..لأن النقد حتى يكون فاعل ومؤثر في المنقود , يجب أن يتوافر في المنقود حد أدنى من الفهم والوعي , وهذا لو وجد في هؤلاء لما وجدوا في هذه الهيئات , وبعضهم كان يرتدي الزي "البنجابي" دلالة على الولاء التام والمطلق للنموذج "الطالباني" , هذا عدا الهيئات الرثة , والأسلوب الهمجي , من ضرب للمراسلة , ومحاصرة المذيعات ,وقطع للبث , وقلب الكتب على الطاولات , والتطاول على أصحاب دور النشر . وهنا تجد أثر التربية الدينية المباركة عليهم , فليس أحد بحاجة إلى أن يعرف القيم الدينية التي تستزرعها الصحوة , فقط عليه أن يرى سلوك هذه الكائنات , التي كانت تشبه الممسوخين في الفلم البريطاني ( 28 أسبوع ) ..أننا مع الأسف في تعاطينا مع العنف الديني , لم نسعى إلى تفكيك البنية المشكلة لهذا الفكر , وإنما نعالج العرض دون المرض , ونقتل البعوض دون ردم المستنقع ..ولا نقف بصورة جادة وحقيقة , مع الإشكالية الدينية , والصحوية في البلد . وإنما ننتظر هؤلاء حتى يتحولوا إلى العنف المسلح , مع العلم أن العنف اللفظي , والعنف بأستخدام اليد , هو "إرهاب" , وهو لا يختلف نوعياً , عن الإرهاب المسلح ..

ولأنه مامن محنة إلا وفي طيها منحة , فقد أنتابتني حالة فرح , حينما رأيت كيف أن السحر أنقلب على الساحر , وكيف أن الأفعى ألتفت على زمارها ..فالجاسر صاحب ( الساعة المباركة ) كان يظن أن الفعل الأحتسابي سيوجه ضد المواطنين , الذين هم بنظره , قصر , يحتاجون وصاية معرفية , تختار لهم ما يقرأون وما لا يقرأون , والذين يراهم بلا أخلاق , ليأتي جاهل غر _هذا كبره _ ليعلمهم ماذا يلبسون ,ومن يكلمون ..ولكنه لم يتوقع أن ينقلبوا عليه , وتمرمط كرامة وزارة الأعلام من وزيرها حتى أصغر مراسل , لتتجلى ( الساعة المباركة ) بأبها حللها , وليدرك أن كل من يستخدم هؤلاء لضرب الشعب , وإهانتهم , لابد أن ينقلبوا عليه , لانه بكل بساطة جبان , ولا يمتلك أي كرامة , وإلا لو كانت لدية كرامة , لما سمح مطلقا أن تهان كرامة فرد من أفراد بلده , تحت أي شعار , محترما عقول الناس , وحريتهم , التي لا يعتدون بها على أحد , كما يفعل هؤلاء المرتزقة .. فالذين في المعرض هم من أهل الكتاب , والفكر , وليسوا ممن يرقصون على السيارات في التحلية , أو ممن يجيزون رضاع الكبير .!فالوصاية ليست عليهم , وليس مثلهم من يتطاول عليه مثل هؤلاء الحمقى , تحت شعار الأحتساب , والفسح المبارك من أبو ( ساعة مباركة )

ويسرني عطفا على هذه المنحة , وهذا الأنقلاب على صاحب ( الساعة المباركة ) , والذي يشبه حاله حال صاحب طير بن برمان , الذي أطلقه على أرنب , فلتقط الطير ثعبان , ورماه على صاحبه فقتله ..فقال الشاعر :

يا طير أبن برمان جبناك حنا , يناقل الحية على رأس راعيك ..!

أقول يسرني أن أهديه هو ووزيره الأديب , الذي شاركه ( الساعة المباركة ) هذه الأبيات الجميلة لمصطفى جمال الدين :

أضحى التنائي بديلا من تدانينا , وصار من كان حامينا حرامينا !

خنتم , وبنا فما أهتزت جوانحنا , حزنا عليكم , ولا جفت مآقينا ..!

هذي الكؤوس شربنها معتقة , فجروبها وذوقوها فناجينا ..!

ما بالكم إذ سكرتم من ثمالتها , ملئتموا سكك الدنيا مجانينا ..!

أنتم زرعتم نيوب الوحش , فرتقبوا , أن تحصدوها وقد جاءت سكاكينا ..!

بين ( أبن القيم ) و ( تركي الحمد) في معرض الكتاب

الحجج التي ينطلق منها أصحاب (البلطجة الأحتسابية ) في معاركهم في معرض الكتاب , هي أن المعرض يسمح بالكتب الألحادية , والروايات الماجنة , والمنهج التغريبي ! ॥وفي مقطع اليوتيوب الذي أنتشر لهؤلاء , ينقلون مقولة شهيرة لأحد أبطال رواية تركي الحمد : ( الله والشيطان وجهان لعلمة واحدة ) , طبعا هنا يمارسون عملية "تدليس" كبيرة , كالعادة । في نسبتهم كلام الشخصية الروائية إلى الروائي ।وهذا يعني أن البطل لو قُتل في الرواية , فسيذهب هؤلاء المحتسبون لعزاء الروائي في وفاة نفسه , أما لو كانت الشخصية الروائية قاتلة , فهم سيذهبون للشخصية الروائية ويلقون القبض عليه لأنه قاتل , في نفس الوقت الذي سيعزونه بنفسه لأنه مقتول! ।لأن الشخصيتان القاتل والمقتول في العمل الروائي هما الكاتب نفسه , انطلاقا من قاعدة : ( أن ابطال الشخصية الروائية هم الروائي على الحقيقة ) طبعا هذا الكلام سخيف , ومجرد ذكره , يغني عن الرد عليه , كما كان يقول المعتزلي القاضي عبدالجبار حينما ينقل قولا متهافتاً : هذا قول أبلع رد عليه هو نقله كما هو..وهذا ليس بغريب عليهم ..وهنا في هذه المقالة سنثبت أن ابن القيم , يصف الله بما هو أسوأ هذا من الناحية الدينية , كما أنه يذكر ويشرح الوضعيات (الجنسية) وهذا لا يختلف عن الروايات التي يصفونها بالماجنة ..!

أولاً : هناك إشكال كبير في قراءة هؤلاء المحتسبين للنص الروائي , أو لمعنى أن ناقل الكفر ليس بكافر , فهم يأتون بجملة , تم اقتطاعها من سياقها , ثم يقومون ببناء الحكم عليها , تباعاً لحكم وتصور مسبق ..طبعا , يلزمهم حتى يكون موقفهم المعرفي والمنهجي صحيح , أن يصفوا القرآن الكريم بأنه يدعوا إلى الكفر , ففي القرآن نقل الله قول فرعون : ( أنا ربكم الأعلى ) ( ما علمت لكم من إله غيري ) , فإذا كان ماهو مقول ينسب للناقل لا للقائل , فيلزمهم حينها الحكم بتعارض النص القرآني مع بعضه , فهو يدعوا حينا للتوحيد , وحين آخر للكفر , لأن ما قاله فرعون , وما قاله الشيطان , وما قاله الكفار في كل عصر , هو لا ينسب لهم على الحقيقة , وإنما ينسب لله نفسه ! , تعالى الله عن هذا الكلام ..

ثانياً : الواجب الشرعي أمام كل شبهة الحادية , أن يقوم المسلم بالرد عليها , ويلزمه حين يرد عليها أن يذكرها . فهو يقول : قال الملحد كيت وكيت . ثم يرد عليه . وهذا يعني أن كل كتاب في الرد على الملاحدة , لا بد أن يتضمن مقولاتهم وحججهم , والحجة أن هذا مقبول لأن صاحب الرد فند هذه المقولات , كلام فيه نظر . لأنه قد تكون حجة الملحد أقوى من الرد الذي قدمه صاحب الكتاب , فهنا تبقى شبهة وجود النص الألحادي قائمة , وحينها يلزمهم تبعا لذلك منع حتى كل الكتب التي تنقل وتعرض مقولات المذاهب الأخرى , لأن الرد ليس بالضرورة أن يكون مقنعا , ولربما بقيت الشبهة ..وكان هذا النقد وجه قديما للفخر الرازي في تفسيره ( مفاتيح الغيب ) أنه يورد حجج الملاحدة , ويرد عليها بصورة ضعيفة ! ..طبعا تبني هذا الموقف , ورفض ذكر الحجة الألحادية والرد عليها , هو رفض لمنهج القرآن , والذي ذكر كل المقولات المضادة التي كانت سائدة , وقام بالرد عليها , إلا إذا التزموا بالنقطة الأولى وأن تلك المقولات التي ذكرها القرآن ليست لهؤلاء الملاحدة وإنما هي مقولات تنسب لله نفسه _ تعالى الله _ ..


ثالثاً : تركي الحمد , ذكر سؤالا قد يكون استنكارياً على لسان أحد أبطال الرواية , ولكن ماذا عن من يعتقد أن الله في آخر الزمن ينزل إلى الأرض , ويتجول فيها , ويشعر (بالوحشة ) لانها خلت من الناس ! ..بل يعتبر أن هذا التصور وهذا الأعتقاد اعتقاد ديني لازم وثابت , ومن لا يقبله فهو ضال معاند مخالف للكتاب والسنة ! ..وهذا ما قاله ابن القيم في كتابه "زاد المعاد في هدي خير العباد" أثناء كلامه عن وفد بني المنتفِق (3\674 ت الأرنؤوط)، ففبعدما ذكر الحديث الطويل وفيه : ( ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تُبعَث الصائحة. فلعَمْرُ إلهك ما تدَعُ على ظهرها شيئاً إلا مات، والملائكةُ الذين مع ربّك. فأصبح ربُّك عزَّ وجلَّ يطوفُ في الأرض! وخلَتْ عليه البلاد).

فالله يتمشى في الارض , وقد خلت عليه البلاد !!! ..

رابعاً : فيما يتعلق بالروايات التي توصف بأنها جنسية .نذكر في القرآن مشهد يوسف مع امرأة العزيز ,كيف يصفون هذا المشهد ؟! وهل يمكن لأي قناة أن تعرض مشهد بهكذا أحداث ؟! حسنا , ماهو موقف أبن القيم من الجنس ؟! نذهب بجولة معه في كتابه : ( زاد المعاد ) وشرحه عن النافع والضار من الجماع حيث يقول : (
وأنفع الجماع ما حصل بعد الهضم وعند اعتدال البدن في حرة وبرده ويبوسته ورطوبته وخلائه وامتلائه وضرره ثم امتلاء البدن أسهل وأقل من ضرره ثم كثرة الرطوبة أقل منه ثم اليبوسة وعند حرارته أقل منه برودته ، وإنما ينبغي أن يجامع إذا اشتدت الشهوة وحصل الانتشار التام الذي ليس عن تكلف ولا فكر في صورة ولا ونظر متتابع ، ولا ينبغي أن يستدعي شهوة الجماع ويتكلفها ويحمل نفسه عليها وليبادر إليه إذا هاجت به كثرة المني واشتد شبقه ، وليحذر جماع العجوز والصغيرة التي لا يوطأ مثلها ملكا لا شهوة لها والمريضة والقبيحة المنظر والبغيضة فوطء هؤلاء يوهن القوى ويضعف الجماع بالخاصية ، وغلط من قال من الأطباء إن جماع الثيب أنفع من جماع البكر وأحفظ للصحة وهذا من القياس الفاسد حتى ربما حذر منه بعضهم وهو مخالف لما عليه عقلاء الناس ولما اتفقت عليه الطبيعة والشريعة ..
* وفي جماع البكر من الخاصية وكمال التعلق بينها وبين مجامعها وامتلاء قلبها من محبته وعدم تقسيم هواها بينه وبين غيره ما ليس للثيب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر ( هلا تزوجت بكرا ) وقد جعل الله سبحانه من كمال نساء أهل الجنة من الحور العين أنهن لم يطمثهن أحد قبل من جعلن له من أهل الجنة وقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم أرأيت لو مررت بشجرة قد ارتع فيها وشجرة لم يرتع فيها ففي أيهما كنت ترتع بعيرك قال ( في التي لم يرتع فيها ) تريد أنه لم يأخذ بكرا غيرها .
* وجماع المرأة المحبوبة في النفس يقل إضعافه للبدن مع كثرة استفراغه للمني وجماع البغيضة يحل البدن ويوهن القوى مع قلة استفراغه وجماع الحائض حرام طبعا وشرعا فإنه مضر جدا والأطباء قاطبة تحذر منه .
* وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرجل المرأة مفنرشاً لها بعد الملاعبة والقبلة وبهذا سميت المرأة فراشا كما قال صلى الله عليه وسلم : ( الولد للفراش ) وهذا من تمام قَوَّامية الرجل على المرأة . كما قال تعالى : ( الرجال قوامون على النساء) وكما قيل :
إذا رمتها كانت فراشا يقلني وعند فراغي خادم يتملق ..! )

ثم في كتاب الطب النبوي يتحدث أبن القيم عن ( وضعية الفارسة ) كأسوأ طريقة للجماع ! فيقول : (
و ان تعلو المرأة الرجل ويجامعها على ظهره (اي تطلع المراة فوق الرجل وهو مستلقي على ظهره)
وهو خلاف الشكل الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجل والمرأة بل نوع الذكر والانثى وفيه من المفاسد ان المني يتعسر خروجه كله فربما بقى في العضو الذكري منه فيتعفن ويفسد فيضر بالرجل وايضا ربما سال الى الذكر رطوبات من الفرج وايضا فأن الرحم لا يتمكن من الاشتمال على الماء (اي استيعاب المني الخارج من الذكر) واجتماعه فيه وانضمامه عليه ليتخلق الولد ) ..!!
حسناً , هذا ابن القيم , يصف الله بأنه يتجول في الأرض آخر الزمان , ويشعر بالوحشة لأنها خلت عليه الأرض , كما انه يشرح الوضعيات الجنسية , ولا أعلم كيف لمحتسب , يطالب النساء بتغطية العيون والوجه , يقبل ان تأتيه أبنته التي تتلمذ على كتب أبن القيم لتسأله : ماذا يعني أبن القيم بأسوأ وضعية ؟! وماذا يعني بيتعسر المني ؟! وماذا يعني بأفتراش المرأة ؟! وماهي اليبوسة والرطوبة ؟! ..أنا على ثقة أنه لا يوجد عمل روائي سعودي يمكن ان يكون بهذا الشكل , وبهذه الصور المجردة من كل حس ذوقي في التعاطي حتى مع الأدب الجنسي نفسه ..!

خامساً : ماهو موقف ابن القيم من الأستغلال والتحرش الجنسي بالأطفال ؟! في كتابه بدائع الفوائد طبعة در الكتاب العربي ص 603 يقول : ( روي عن أحمد في رجل خاف أن تنشق مثانته من الشبق ! أو تنشق أنثياه لحبس الماء في زمن رمضان يستخرج الماء ولم يذكر بأي شيء يستخرجه , قال : وعندي أنه يستخرجه بما لا يفسد صوم غيره كاستمنائه بيده أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة , فإن كان له أمة طفلة أو صغيرة استمنى بيدها ) ..الله الله ! ..

والسؤال : أين الاحتساب على الكتب التي تصف الوضعيات الجنسية كما تقدم ؟! وأين الأحتساب على الكتب التي تدعوا إلى الأستغلال الجنسي للأطفال ؟! وأين الأحتساب على من يعتبرون الله محمول من قبله مخلوقاته , وأن الأرض وهي من مخلوقات الله تحتويه ! , وهو يتجول فيها , وقد خلت عليه البلاد , وهذا الكلام ليس كلام على لسان شخصية وهمية في عمل روائي , وإنما كلام من يعتقده , ويضلل من لا ير هذا الأعتقاد , وأين الاحتساب على الكتب التي ترد على الملاحدة ونقلها للشبهات الألحادية ؟! ..

الجمعة، 25 فبراير 2011

حب حتى (الثمالة) يا وطن ..!

كتب أحد الزملاء في الفيسبوك , عن ماساة مواطن سعودي ظل لسنوات عديدة يبحث عن منزل , يحتويه هو وأبناءه , وعن آخر راتبه 2000 ريال منذ سنوات , ولديه أطفال , وأن هذه من ضمن النماذج الكثيرة , التي كانت تنتظر من عودة المليك المفدى , معالجة لاوضاعهم المأساوية ..
ولعلمي بخطورة مثل هذا الكلام , وكونه بطر , وعدم رضى بالنصيب , والقضاء والقدر , وقد جاء في الحديث الصحيح : ( من أصبح منكم آمن في سربه , معاف في جسده , عنده قوت يومه , فكانما حيزت له الدنيا ) ,,كان لا بد من تقديم هذه النصيحة , لعل الله أن ينفع بها ..


أولاً : ألا يكفي أن الدولة تحتوي هذا الأب ؟! فلماذا يأتي بالأبناء ؟! ثم اليس الله تكفل برزق من يتزوج ويأتي بأبناء ؟! لماذا تريدون من الدولة أن تتدخل بين العبد وبين ربه ؟! من قال له أن يأتي بهم للدنيا ؟! إن كان لم يؤمن دخلا لهم , ولم يؤمن برب لهم ؟! أن الدولة من واجباتها حفظ التوحيد , والحفاظ على العلاقة بين العبد وبين ربه , وتحطيم كل طاغوت يحول بينهما أو يتوسط بينهما , فكيف تريدون من الدولة أن تتنكر لواجبها , وتتدخل بينهما , لمعالجة شؤونه المالية , وقد تكفل بها ربه ؟! ..


ثانياً : ألم يكن الصحابة يعيشون في فقر , وفي بيوت مهترئة ..فهل هو خير منهم ؟! إن قال : نعم ..فهذا بلاء يستحقه , وربما يفصل من عمله بتهمة الرفض أو التطاول على الصحابة كما حدث مع حسن فرحان المالكي ..أو يقول : لا .الصحابة خير مني , فحينها عليه أن يتأسى بهم , ويربط على بطنه حجرا من الجوع ..الدولة ليست مسؤولة عن الجائعين , ولا عن العاطلين ..يا أخي هل تريد الدولة أن تطعمك ؟! هل تريد أن تقلب الدولة بكل جلالها , وبهاءها , ونقاءها , وفخامتها ,وشياكتها , إلى مطعم ! .الدولة أكبر من أن تطعمك , أكبر من أن توفر لك فرص عمل , الدولة أكبر من أن تعطيك أي شيء ..الدولة تصور خطير , وكبير , وحالم , وما ورائي . تحبها لا لشيء وإنما فقط لأنه يجب أن تحبها ..أليس الحب من طرف واحد أجمل أشكال الحب ؟! حب لا ينتظر الجزاء , لا ينتظر الثواب , لا ينتظر المجازاه , لا ينتظر شيء ,,حب من أجل الحب ..كذلك الذي لديه اطفال وراتبه ألفان , ماذا يريد أكثر ؟! هل يريد مال يطغيه ويفسده ؟! المال فتنة , قال تعالى : ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ) , هل تريد أن تكون الدولة سبب في دخوله النار ؟! هل هذا جزاء المحب الذي تقدمه الدولة لمن يحبها ؟!..أنظروا كيف تحمي الدولة دنيانا من الشرك بالله , وتحمي آخرتنا من الكفر به , بسبب طغيان المال وفتنته ..


ثالثاً: ما هذا الكلام الذي يقوله البعض من قبيل : أن الغلابة في هذا البلد , أول من يخذلهم هم الغلابة الأخرون , والصحفيون الذين لا يعرفون معنى الجوع , أو ماهي رائحة الرغيف في بيوت أذن الفاسدون بأن تغرق , أنهم لا يعرفون ماذا يعني أن تذبل شمعة شباب الشباب والصبايا وهم يبحثون عن عمل ,و يبحثون عن قيمة , وعن دور في مجتمعهم ..أنهم لا يعرفون معنى أن تحمل طفلك المريض , وتركض في متاهات الوطن لتجد له سرير في أي مستشفى , أنهم مشغولون بالغزل , بالحب , بالتقبيل , والسلام ..أن الأنسان هو في آخر قائمتهم , لأنه لم يعد هناك شيء يهم , أمام هذا العصف المادي , و الشرهات , والنفاق الطاغي.يا لبجاحة هؤلاء الناس , أليس من القبيح وقلة الذوق أن تتحدثوا عن الجوع , والفقر ..يا قوم نحن في أفراح لماذا تعكرون مزاجنا ؟! لماذا تربكون فرحتنا ؟! ألسنا جميعا نصوم ونجوع ؟! ما الجديد ؟! ألسنا جميعنا نمرض ونتعافى , ما المشكلة ؟! لماذا أنتم تبالغون , دعونا نغني , فالغناء سر الوجود ..وإذا كنتم عاطلون عن العمل , فالدولة تفتح كثيرا من ابواب الأمل , فلا تكون كذلك عاطلين عن الأمل , إذ كما قال المثل البدوي الشهير : ( لولا الأمل مات الفقير ) , أليس من فضل الدولة عليكم أنها جعلت لكم فضاءات كبيرة من الأمل , تفوق أي فضاء من فضاءات العمل ؟! يا لجشعكم أيها البائسون الغلابا ..!

الأربعاء، 2 فبراير 2011

هل يحق للطبيب الحديث في الدين ؟!

من أبرز الاحتجاجات التي يواجهها من يتصدى لنقد الخطاب الديني , هو الاتهام بعدم ( التخصص ) . ومحاولة فرض ما أسميه : ( استبداد المتخصص ) .. بحيث أن المتخصص فقط , لأنه متخصص هو حجة . بغض النظر عن الاتساق المنطقي والعلمي لكلامه , وإنما على الشخص أن يكون بين يدي المختص , كالميت بين يدي مغسله ! .. وهذا كلام في غاية التهافت , فليس (كل) ما يقوله المتخصص صحيح , وليس (كل) ما يقوله غير المتخصص خطأ , وإنما المعيار في قبول كلام المتخصص وغيره , هو في مدى منطقية وواقعية ما يقول , فلو أن طبيباً متفذلكاً قال لمريض مصاب بالسكر , عليك الإكثار من السكر , من باب : ( وداواني بما كانت هي الداء ) , فمن الحماقة أن يأخذ المريض هذا الكلام , فقط لأنه من مختص ! ,وقضية المختص تذكرني بقضية ( الخطط المدروسة ) للمدرب ناصر الجوهر ,! ..فكل عاقل لديه حس نقدي , ومقدمات بسيطة , يستطيع من خلالها محاكمة ما يقال له , بغض النظر عن قيمة القائل وتخصصه . طبعاً مسألة "التخصص" لا تثار إلا إذا كان الشخص ناقداً , أما إذا كان متبعاً للنسق الديني السائد فلا تثار قضية التخصص , ولهذا نجد أطباء يوصفون بالمشايخ , فقط لأنهم يوافقون الاتجاه الديني العام . ولا تثار مسألة التخصص , خالد الجبير نموذجاً وهذا ما يسمى في المنطق ( مغالطة قطف الكرز Cherry- picking fallacy ) .. هذه الحجة هي في غاية الضعف , ولا يمكن أن تثبت أمام النقد ..ولعلنا نبدأ في نقد السؤال المحوري والذي قيل لي مراراً وتكراراً : أنت كطبيب هل ترضى أن يأتي رجل دين ويتكلم في الطب ؟! أذن كيف تتكلم في الدين ؟!

الجواب : مع علمي أن رجال الدين يتحدثون في الطب وغيره , وفي كل شيء , بارك الله بعلمهم , إلا أن الجواب : نعم ..ما الذي يمنع ؟! لو كان هناك رجل دين مهتم بمرض معين أو بدواء كــ"البنادول/البراسيتامول" وقرأ النشرة المرفقة معه , وقام بحفظها , ثم بحث في مصادر كثيرة , وقرأ عن "البنادول" ألن يكون أعلم من الطبيب وحتى الصيدلي في البنادول ؟! فالطبيب سيعرف أهم المضاعفات , والجرعات , ولمن توصف .. لكن لن يعرف كل شيء يختص بهذا الدواء , كحال هذا الرجل , الذي بذل الكثير من الجهد في معرفة هذا العلاج .. وبالتالي سيكون معيارنا في الحكم على صحة معلومات هذا الرجل , لا على تخصصه , وإنما على صحة هذه المعلومات التي قام بحفظها كاملة من النشرة المرفقة ... ومن القفز على الحقائق , وصفه بأنه جاهل في هذا الدواء , وهو يعرف كل شيء عنه .

من ناحية أخرى , لا يجب على الفقيه أن يعرف في الطب , بينما يجب على الطبيب أن يعرف أمر دينه , لا سيما أن لديه من الوعي ومن الفهم , ومن القدرة البحثية والنقدية , ما يؤهله لذلك ..

النقطة الثانية : جاء في الحديث الصحيح : ( بلغوا عني ولو آية ) , والآية من الدين , إذ الدين هو مجموع آياته ,ومن تكلم في آية فقد تكلم في الدين , و عليه , من يرى الاحتجاج بالتخصص , عليه أن يرد على الرسول قائلا : لا يا رسول الله لا يحق لغير المتخصص في الفقه أن يتحدث في الدين وآياته , ولا حتى بآية واحدة , لأنها بغض النظر عن كونها آية أو أكثر , إلا أنها من الدين , والدين لا يتحدث عنه إلا متخصص ..! هذا مع أن هنا مصادرة على المطلوب , لأني لا اعتبر من لا يعرف المنطق فقيه بحال , ولكن هذا من باب التسليم بدعوى التخصص .

النقطة الثالثة : جاء في الحديث الصحيح : ( رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه , ورب حامل فقه و هو غير فقيه ) , وهذا الحديث الصحيح _ بل عده البعض متواتراً _ يسقط نظرية التخصص , وعلى المعارض أن يقول للنبي : كلامك غير صحيح , فلا يحمل الفقه إلا متخصص فقيه , ولا يحمل الفقه ألا متخصص , ولا يمكن أن يحمله من ليس بفقيه إلى من هو فقيه ..!

النقطة الرابعة : قصة الهدهد مع النبي سليمان , إذ قال : ( أحطت بما لم تحط به ) , فهذا الهدهد يعلم ما لم يعلمه سليمان النبي الذي حشرت له جنود الأنس والجن , ولم يرد سليمان كلامه وإنما طالبه بالدليل , وبالتالي المتخصص هو من يملك الدليل , ومن لا يملك الدليل لا قيمة لتخصصه حينها ..!

النقطة الخامسة : ماذا تقصد بالتخصص ؟! هل تقصد معرفة أصول الفقه ؟! ..و أصول الفقه قام بتأصيلها الشافعي , وهنا يبرز سؤال مهم : الشافعي قبل أن يكتب أصول الفقه , هل كان فقيها ؟! إذا كان الجواب : نعم ..كيف وعلم الفقه لم يتشكل بعد ؟! فإن قيل : لا , لم يكن فقهيا , فكيف استطاع أن يؤسس ويؤصل لأصول الفقه ؟! ..أم أن الحكم على فقهه كان لاحقا أما قبل ذلك , فلم يكن يعتد بكلامه لأنه ليس بفقيه .!!

سادساً : من سيرة الرسول نجد أن هناك اعتراضات منطقية من بعض الصحابة سواء في الحرب أو الشأن السياسي وقضايا أخرى, وهذه الاعتراضات ليست نتاج تخصص , وإنما نتاج تفكير سليم وناضج . ولهذا في الحديث الصحيح لما سأل علي هل خُص الصحابة بعلم ؟! قال أنما هو فهم يؤتيه الله من يشاء , لا سيما أن الفقه هو الفهم , أما كونه علم الحلال والحرام فهذا اصطلاح حادث ..

ملحوظة : قد يرد اعتراض على النقطة الأخيرة أن اعتراضات الصحابة في شؤون الحياة وليس في شؤون الدين , وهنا يدخل المعترض في إشكال علماني عويص , وفصل كل مظاهر الحياة , التي تحاكم إلى العقل و تحليله المنطقي , عن قضايا الدين ..!

النقطة السادسة : هي مفارقة منطقية لطيفة فعلتها مع أحد الأصدقاء.قال لي : لا يجوز الحديث في الدين ألا لأهل العلم .قلت له : ماهو دليلك؟! قال : ( فسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون ) .قلت له : أنت الأن تتكلم في الدين وأنت غير مختص .قال لي : لأني أعرف الدليل , قلت أذن العبرة بالدليل لا بالتخصص , ابتسمنا وانتهى الحوار ..

من وجهة نظري أن هذه النقاط أسقطت فكرة أنه لا يحق لغير المتخصص الحديث بالدين , وأن التخصص هو الدليل , من ملك الدليل فهو المختص بمسألته ..

والسلام ..

الأربعاء، 10 نوفمبر 2010

سماحة "جريدة الرياض" ..

يقول طيب الذكر اينشتاين : ( إن العقول التي تخلق المشكلة , لا يمكن أن تكون جزءاً من حلها ) ..قامت صحيفة الرياض بعرض فتوى لأبن باز , يجيز فيها ( عمل المرأة ) عند الضرورة , وكأن الجريدة في ذلك تتحدث عن رجل نذر عمره للإنسان , ولحقوق المرأة , وللاهتمام بظروف المواطن , أو لرجل مجدد ومتجاوز لعقلية التراث , ومنطق ( الفتنة ) و ( العورة ) , وكأنها تتحدث عن الإمام محمد عبده , أو الإمام الطاهر بن عاشور , من أعلام التجديد الديني ..أن جريدة "الرياض" التي تستند إلى رأي لأبن باز _ مع أن أبن باز نفسه له أراء أكثر , تعارض عمل المرأة , و ( تقطع ) بحرمة ( الإختلاط) _ هي تعود بنا إلى نقطة الصفر ..فبدلاً من أن يعلم المواطن , وصناع القرار أن مشكلتنا ليست مع "رأي فقهي" يوجد من يعارضه داخل المؤسسة الدينية , وإنما مشكلتنا مع عقلية "المؤسسة" نفسها , وعدم قدرتها على تجاوز ذاتها .. تأتي "الرياض" لتحاول أن تقوم بإنعاش رئوي لهذه المدرسة "الدينية" التي لا تمت إلى الواقع بصلة ..فحينما نعلم أن فتاوى الهيئة , لا يعتد بها , حتى بالنسبة للدولة , وحتى بالنسبة للمؤسسات , والمراكز التجارية التي تعمل بها المرأة , فلماذا تؤخذ هذه الفتوى بالاعتبار ؟! لماذا المحلات التجارية , لا تجد حرجا في بيع الدخان , والرسيفرات , والمجلات , وهي من ( المحرمات ) بالنسبة للهيئة , بينما حينما يتعلق الأمر بتوظيف "المرأة" تؤخذ هذه الفتوى بالاعتبار ؟! مع أن هذا لم يحدث _ ولكن على أفتراض أنها فعلت _ .. أن الهيئة التي تقرر بالإجماع أن ( الاختلاط) محرم , هي تقرر ( فسق الدولة ) .لأن ارتكاب ما هو مجمع على تحريمه "فسق" ..فهل ستأخذ الدولة بهذا الفتوى التي تهدف إلى إسقاط "عدالتها" , ووصفها "بالفسق" ؟! ..ولهذا كان لا بد من تجاوز المدرسة "الدينية" تبعا لهذا الاعتبار المهم جداً ..وكان المواطن المثقف مستبشرا بقصر الفتوى على الهيئة , لعلمه أن الهيئة , لن تكون متماهية ومتحركة مع "الواقع" , وهذا سيفضي إلى تحجيم , وبعد خطابها عن الواقع , وهذه خطوة مهمة جداً في تحييد الخطاب الديني في المجتمع , وقراراته التنموية , فمنذ توحيد المملكة , لم يساهم "الديني" في أي عمل حداثوي , أو تنموي , بل كان ممن يرمي العصي في دواليب التنمية ..أن الشعب يسمح لبناته بالاختلاط في البنوك , والمستشفيات , والشركات الكبرى , والجامعات "كاوست" , وكذلك في برامج الأبتعاث , دون حاجة الشعب لتبرير ديني لأي فرد من أفراد المؤسسة الدينية , فمع إبقاءهم على حكم "حرمة الاختلاط" إلا أن الشعب وحكومته , يسيرون في هذا الطريق , دون إلتفات إلى تلك الفتاوى , المغرقة في "الفتنة" و "الماضوية" ...ما الهدف من محاولة تلميع آراء هذه المدرسة ؟! دون حاجة الشعب إلى ذلك ؟! إلا محاولة تطبيع الخطاب الديني في المجتمع , مع ما تقدم أنه خطاب يهدف إلى تفسيق الدولة , ووصف القضايا الخلافية بأنها قضايا قطعية , مما يستلزم ارتكابها "الفسق" أو التكفير ..ثم أن الحاجة تبرر حتى المحرمات , وبالتالي الفتوى ليس فيها أي تقدم ..بل أن الفقهاء يقولون : ان ما يحرم وسيلة يباح عند الحاجة , وما يحرم لذاته يباح عند الضرورة ..وتحريم الاختلاط عندهم هو تحريم للوسيلة , وبالتالي مجرد الحاجة تبيحه لا الضرورة ..والحاجة أقل من الضرورة ..وتقديرها يعود لذات الشخص نفسه ..فليس بالضرورة أن تكون من تريد العمل فقيرة معدمة , وإنما مجرد أن تريد أن تجد نفسها في العمل , ويكون لها مصدر دخل مستقل , هو مما يبيح ذلك ..أنني ريد أن اؤكد ان الدولة والشعب هم أكثر تقدما من عقلية "الهيئة الدينية" , وأن محاولة عقلنة بعض "الآراء" للهيئة , سيعيدنا إلى المربع بالأول , وسنكون ملزمين بما تقوله الهيئة , وقد علم القراء أن ما يلزمنا قبوله حينما نأخذ بأقوالها , هو الطعن بالمجتمع وبحكومته ..أن ما يجب تسليط الضوء عليه , هو في بيان عدم إلزامية هذه الفتاوى , وعدم قدرتها على التماهي مع الواقع ..وإذا كانت الجريدة تريد الأخذ بفتاوى أبن باز , فلماذا لا تأخذ بفتواه في تحريم "الإختلاط" , أو فتواه الطامة التي يرى فيها أننا متى ما صارت لنا قوة عسكرية , فيجب أن نقوم بحرب "شعواء" على العالم أجمع ..!ذلك أن العقول التي تخلق المشكلة لا يمكن أن تكون جزاً من حلها ..



ملحوظة : بعض رجال الدين يقول بدلا من أن تعمل المرأة كاشيرة "يجب" على الدولة أن توفر فرص عمل ..والسؤال : حتى يحدث هذا "ال يجب" ماذا تفعل المرأة ؟! تشحذ حتى يحدث الله بعد ذلك أمرا ؟!

السبت، 6 نوفمبر 2010

قتاة المجد و "التغريب" ...!

جاء في الحديث الصحيح : ( الدين النصيحة ) , وفي الحديث : ( فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمن ويسمى كافر , و يمسي مؤمن ويصبح كافر , يبيع دينه بعرض من الدنيا ) , والتغربيون من بني لبرال وعلمان لن تقر لهم عين ألا بتغيير وتغريب المجتمع , وهز مسلماته , ونشر الفتن والشهوات , ومحاربة السنة وكم كان أسفي أن تنزلق قناة "المجد" في هذا المستنقع , فقد رأيت وياليتني ما رأيت أمر عجيب _ والعجائب جمة _ , فقد قاموا بوضع فلم الكرتون "توم وجيري" , وكانوا يظنون أنهم بذلك يحسنون صنعا : ( قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين الذين ضل سعيهم ف...ي الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) ., فقد قاموا بتجميل الفلم بنزع "الموسيقاء" ظنا منهم أن هذا سيبيح مشاهدته , ولعمري لو كان رمح واحد لتقيته , ولكنه رمح وثاني وثالث ..ولنا مع الفويسق جيري , والقط الفاضل توم وقفات ..
أولا : أن الموسيقاء لم تزال كلها , فقد كان طرق الباب بهذا الشكل " طق , طق , طق" وهذا أيقاع موسيقي ..
ثانياً: أن جيري فويسقه , وأمر النبي بقتل الفار , ولشيخنا المنجد فتوى في ذلك ..
ثالثاً: أن الفاضل القط توم , هو ممن جاء فيهم الحديث الصحيح : ( أنهم من الطوافين عليكم بالليل ) , وقد كان الصاحبي الفاضل ابو هريرة يرعى هراً , ولهذا كني به ..
رابعاً: أن جيري يقدم في الفلم كأنه أذكى من توم , وتوم غبي , ومتطرف , ويمارس "الضرب" و الأرهاب على جيري ..وفي هذا نكتة خفية , ودس للسم في الدسم ..فهم يريدون أن يقولوا أن الهر أرهابي ..وهذا طعن في الصحابة ..كيف ؟
مقدمة أولى : أبو هريرة يحب الهر ..
مقدمة ثانية : الهر يحب الأرهاب ..
النتيجة : أبو هريرة يحب الأرهاب ..! فهل هذا ما يجب أن نعلمه لأبناءنا وقد صح عن حبيبنا قوله: ( من مات وهو غاش لرعيته , فقد حرم الله عليه الجنة ) ؟!

خامساً: أن جعل الفويسق جيري مظلوم وذكي , والفاضل توم ظالم وغبي , هو تشويه للولاء والبراء , الذي يجب أن يحمله المسلم , وتغليط للحقائق , وهذا منهج أهل البدع في كل مكان وزمان , ألا أهل السنة كما قال وكيع بن الجراح , وقال الذهبي : الإنصاف عزيز .

سادساً: أن عدم الوقوف امام هذه البدع بجدية , ستكون نتيجتها وبال علينا , وغدا لا تستغربوا أن تأتي قناة المجد بالمتبرجة قليلة الأدب "هايدي" , والتي تذهب مع بيتر إلى الجبال : ( وما اجتمع رجل وامرأة ألا كان الشيطان ثلاثهما ) , وإن قال قائل أن "هايدي" لا يتجاوز عمرها ال 8 سنوات , قلنا : أن من في سنها يجوز الزواج بها , وكم من الفتيات في سنها في بيت ازواجهن ..ولكنها شنشنة نعرفها من أخزم !

وسأرفق رابط قناة المجد , وأرجوا وقت طرق الباب , أغلاق الصوت حتى لا تسمعوا للموسيقاء ..

http://www.youtube.com/watch?v=jQZDAbdDiX4&feature=share

السبت، 21 أغسطس 2010

التفكير العلمي , والخرافي ...!



في مقالتها في "الوطن" العدد 3033 بتاريخ 18 يناير 2009 قامت الكاتبة مها الحجيلان بمناقشة موضوع "الطب والدين"، وتأكيد الارتباط بين السبب والنتيجة، والفعل ورد الفعل، وهذه من سمات المنهج المنطقي والديني على السواء، بحيث إنه لا يفصل السبب عن مسببه، ومحاولة البحث عن تفسير مثيولوجي، غير منطقي لذلك، فالله سبحانه وتعالى حينما سأله إبراهيم "كيف" _ لا "هل" _ يحيي الموتى، أمره الله أن يذبح الطير مع قدرة الله سبحانه على أن يفعل ذلك، ولا سيما أنه في موقف بيان المعجزة، وكذلك أمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر، وأمر مريم أن تهز بجذع النخلة، مع أن معجزة فلق البحر، وأن تلد امرأة بلا زوج، لا تقارن بضرب البحر بالعصا، وهز جذع النخلة، وعدم تأثير هذين الفعلين على حدوث المعجزة، وإنما يبين الله وجوب الأخذ بالأسباب، حتى إن كان المخاطب مؤيداًًً بالمعجزة من الله، فكيف بمن هم دونه؟ وفي معركة أحد، حينما أخل المسلمون بشرط من شروط النصر هزموا، ولم ينفعهم وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ولا نبل وسمو هدفهم، لأن الله أمر بأخذ الأسباب: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة".
وهكذا خلق الله الكون على سنن دقيقة, ونواميس صارمة لا تنخرم تبعاً لأماني الكسالى والعاجزين، فالله أودع الأسباب والسنن في هذا العالم دلالة على حكمته وإتقانه وابتلاء للناس في أن يبحثوا عن هذه السنن ويوظفوها في عمارة الأرض التي استخلفهم الله فيها، والسمو بالإنسان الذي كرمه الله، لا أن يبقى الإنسان حبيس الدجل والشعوذة والخرافة، منتظراً من السماء أن تمطر عليه ذهباً وفضة.
والقرآن الكريم لا يستفيد منه من وقف على رسمه دون معناه، فالهداية القرآنية هي بمضامين الآيات، لا في إيقاع حروفها، ورسمها، ومن يقرأ مضامين الآيات، يجد أنها تأمر بالأخذ بالأسباب، بل وتحيل الإنسان إلى النظر في اتساق الأسباب وانتظام العالم كدلالة على التوحيد، ووجود الخالق، وبذلك يتبين، أن المعالجة بالقرآن هي معالجة بمضمونه وهو الأخذ بالسبب، وعلى قارئه أن يتخذ سبب الشفاء الذي وجهه القرآن إليه، وهو الذهاب إلى من يعالجه، الذي قدر الله أن يكون على علم بالمرض وعلاجه.
بيد أن مشكلة البعض أنهم يظنون أن للفظ دلالة غير المعنى، فمثلاً يقال فلان معه "المقطوع"، وحينما تسأله مستفسراً تقصد السرطان؟ يقول أعوذ بالله لا تقل اسمه! مع العلم أن دلالة المعنى واحدة "للمقطوع" والسرطان! وهذه من سمات العقل البدائي، الذي يتمحور حول ظاهر الرسم وإيقاع المفردة، ويتصور أن اللفظ مغاير لدلالة معناه، لا نافذ وفاهم لمضمونه ومبادئه.
ومن أمثلة التفكير الخرافي ما ذكره أحد المشاركين في الندوة _التي ذكرتها الأخت مها في مقالها_ في ندوة أخرى له، فقد ذكر أن ثمة طبيبا وفقه الله، وأصبح ناجحاً في مجال عمله، والسبب هو أنه حينما أراد الدراسة في الخارج، وفي أحد المستشفيات الأمريكية مدت امرأة يدها لتصافحه، فرفض مصافحتها امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم _كما يزعم هذا الشيخ_ فلم يُقبل في البرنامج الطبي الأمريكي، وعاد للسعودية وأصبح طبيباً ناجحاً، لا لأنه اتخذ أسباب النجاح، من تفوق واجتهاد وإنما لأنه امتثل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، بيد أن المفاجأة تظهر، إذا علمنا أن الحديث الذي استدل به الطبيب وشيخه على تحريم المصافحة لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بلفظ "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له" وفي سنده شداد بن سعيد وهو ضعيف، وخالفه من هو أوثق منه بشير بن عقبة ورواه موقوفاً على معقل بن يسار، فالحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم على فرض صحته فـ"المس" في الحديث لا يعني المصافحة، بل يعني الجماع، قال تعالى "قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ"، وقال جل شأنه "وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن"، وقوله جل شأنه "أو لامستم النساء" وغيره كثير، بل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم غير ذلك، روى البخاري في كتاب الأدب باب الكبر عن أنس بن مالك قال "كانت الأمة من إماء أهل المدينة، لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت"، وعارض البعض هذا الحديث بحديث عائشة رضي الله عنها (ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط إلا امرأة يملكها)، وأمام هذا التعارض يقدم المثبت (مصافحة النبي) على المنفي (عدم مصافحته) كما هو متقرر في علم الأصول، لأنها أخبار، لا أوامر بحيث يقدم الحاظِر على المبيح!
وبعد ذلك يتبين، أن الطبيب ترك فعلاً مباحاً، ومن يترك المباح لا يُثَبْ على تركه، بل يمكن أن يقال إنه تعبد الله فيما لم يصح فيه دليل، والأصل في العبادات التحريم إلا بدليل صحيح صريح، وقد تبين عدم صحة الحديث _ موضع الشاهد من كلام الشيخ _ وعدم صراحته، وبذلك يكون التفسير المنطقي هو التفسير الشرعي لنجاح الطبيب وهو أنه أخذ بأسباب النجاح، ومن أخذ بها وفقه الله سواء صافح أم لم يصافح!
بل إن الأمم الكافرة تقدمت حينما أخذت بالأسباب، وغيرها أمم بقيت متخلفة لعدم أخذها بالأسباب، بغض النظر عن دينها!

الأربعاء، 9 يونيو 2010

نقد ( الإسلام السياسي) ..

هذا نقد لورقة الزميل الفاضل عبدالله الضويان في جماعة فكر , حول ( الإسلام السياسي) ...


وهذه ورقة الزميل

قراءة لأثر الإسلام السياسي على المجتمعات العربية, وتطبيق على المجتمع السعودي.
عبد الله الضويان

أدى التدهور الذي أصاب الأمة الإسلامية في بدايات القرن الماضي ابتداءً من المواجهات العسكرية مع القوى الأوربية الصاعدة ثم تراجع الدولة العثمانية حتى انهيارها ووقوع غالبية الدول الإسلامية تحت الاستعمار, إلى تسرب الشعور بالضعف والتخلف وبرز السؤال الذي بدا ملحاً وواضحاً في تلك المرحلة وهو السؤال عن سبب هذا التخلف وسبيل الخلاص.
"الإسلام هو الحل" إجابة بدأت تتبلور حتى ظهرت حركات ما يسمى بالإسلام السياسي وأخذت على عاتقها تحقيق هذه النظرة والدعوة إليها, ومن خلال هذه الورقة سنحاول قراءة شيء من أثر هذه الحركات على المجتمعات العربية على الصعيد الفكري والسياسي, ونحاول التنقيب عن جذورها الفكرية في إطار المجتمع العربي, ومدى ارتباطها بالإسلام الذي تنتسب إليه, ثم نسلط الضوء أخيراً على مجتمعنا السعودي ومدى تأثره بهذه الموجات وتفاعله معها.

في التاريخ الحديث ظهرت حركات إصلاحية أبرزها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1791-1703) في الجزيرة العربية، والحركة السنوسية (1878-1859) شمال إفريقيا والحركة المهدوية (1898-1881) في السودان، وكان أبرز ما يجمعها هو الحس الديني البحت بعيداً عن الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية.

وفي حقبة المواجهة مع الحداثة كان الاستعمار تجربة حديثة غيرت وعي الأمة بنوعية التحديات التي تواجهها فظهرت حركات إصلاحية يغلب على خطابها الإصلاح الدنيوي ويتركز مشروعها في تشخيص المفاهيم الدينية السائدة والنهوض بالأمة من محنتها فظهرت طروحات من نوع: "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟"، ولعل من أبرز رواد تلك المرحلة جمال الدين الأفغاني.

وامتداداً لهذه المرحلة نشأت حركة الإخوان المسلمين (1928), والجماعة الإسلامية في الهند (1941), وغيرها من الحركات التي يمكن أن يطلق عليها جماعات إسلامية أو حركات الإسلام السياسي.

إن أي حديث عن حركات الإسلام السياسي لابد أن ينطلق من مسلمات تشمل قبول الوصف الذاتي لهذه الحركات بأنها إسلامية, ومن ثم رسم الحدود بينها وبين غيرها من الجماعات المسلمة.
يعرّف الدكتور عبدالوهاب الأفندي هذه الحركات بأنها : تلك الحركات التي تؤمن بشمولية الإسلام لكل نواحي الحياة وتتصدى لقيادة ما تراه جهداً لازماً لتأكيد هذه الشمولية في وجه تراخي المجتمع وتقصير القيادات والمؤثرات السلبية ومكايد الأعداء؛ وهي بهذا تدّعي لنفسها القيادة الأخلاقية للمجتمع.

من نافل القول أن الإسلام واحد، حيث لا يجوز الحديث عن إسلامات متعددة، غير أن استقلاله وتفرده لا ينفي تعدد أفهام المتلقين ولا يلغي حقهم في الاجتهاد في حدود النصوص ذات الدلالة غير القطعية, ومن هذا المنطلق تفرع الفقه إلى مذاهب والجماعة المسلمة إلى تيارات و فرق. إن هذا الغياب للوحدة الفكرية لهو دليل واضح على أننا لا نتعامل مع النصوص بل مع آراء متلقيها.
إننا حينما نجرد هذه الحركات من صفة الناطق الرسمي باسم الدين لا نلغي وصف انتسابها لهذا الدين وإن اختلفت الفهوم وتضاربت الآراء.

الإسلام والسياسة:

إذا تأملنا العقيدة الإسلامية سنجد أن من أبرز سماتها القابلية للبعث والتجديد والإحياء؛ إذ الإسلام نفسه بعثٌ للملة الحنيفية ومصدق لما بين يديه، وفي نصوص القرآن والسنة تأكيد على مفاهيم من شأنها الإبقاء على صفائه وحمايته من الانحراف والاندثار، كالتركيز على العلم والتعلم والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والتوبة ومراجعة النفس وغيرها من المفاهيم التي ضمنت له الحياة في كل الظروف. وهذه الطبيعة الحراكية جعلت له ارتباطاً بالسياسة بدا واضحاً في تاريخه, وهذا يقودنا إلى سؤال مهم حول ماهية هذه العلاقة، هل كانت علاقة موضوعية فرضتها شروط مرحلة تاريخية ما، والشروط التاريخية من شأنها التغير مما ينفي عن هذه العلاقة صف الثبات؟, أم أن العلاقة بينهما علاقة منطقية مفهومية بمعنى أن سياسة أحوال الناس جزء من جوهر الإسلام لا يتأثر بالأحوال والظروف؟
إن تصورنا لهذه العلاقة على نحو سليم يوفر علينا الكثير من العناء في دراسة أثر الإسلام السياسي وسرعة نفاذه إلى وعي الجماهير في العالم العربي.

يذكر الدكتور عبد الوهاب الأفندي في تعليقه على كلام هوغ دييديه في كتابه "الإسلام والمقدس" أن هناك إشكالية جوهرية في كل تناول للشأن الديني يدّعي صفة العلمية؛ وذلك هو افتراض وجود ثنائية مطلقة بين الدنيوي والمقدس ورفض المقولة الشائعة عن تلازم الدين والدنيا في الإسلام، حيث صرّح دييديه بأن لا ترابط بين الديني والدنيوي ولا المقدس و المدنس - حسب تعبيره - بالطريقة نفسها في أوربا و في العالم العربي والإسلامي، لكن هذا الترابط موجود بالضرورة، فإن مجرد تحديد الخير المنفصل أو الذي يحاط بدائرة لأنه قدسي
أو إلهي يعني رسماً للحدود وبالتالي تعيين ما هو خارجها, إن تأسيس المقدس يعني إرساء نظام دنيوي.
وهذا يشير إلى تناقض على مستوى المفاهيم - بحسب الأفندي - حيث يتحدث عن تقابل مطلق مزعوم ثم يعود ليؤكد ترابطاً لا فكاك منه بين الحيز المقدس وما يقع خارجه. ويضيف الأفندي :"على الرغم من تأكيد علماء الاجتماع أن موضوعهم ليس هو محتوى العقيدة بل أثرها الاجتماعي فإن واقع الأمر يشير إلى الخلفية العلمانية بل المناهضة للدين لعلم الاجتماع الحديث؛ فموقف علم الاجتماع من الدين هو موقف الاستغراب من كيفية ظهور الأوهام الدينية وسيادتها والبحث عن تفسير "إكلينيكي" لاستمرارية التمسك بالدين باعتباره ظاهرة مرضية. نشأ من كل هذا أن العلمنة قرين الحداثة وأنها طريق ذو اتجاه واحد فما أن تدخل المجتمعات عالم الحداثة حتى تتجه نحو العلمنة.
ومن هذا المنطلق فإن ظهور ما يسمى بالصحوة الإسلامية يعتبر معضلة يصعب حلها في ظل هذه الافتراضات؛ فهي تناقضها إلى درجة أن التحديث يبدو كما أنه أحدث أثراً عكسياً في المجتمعات الإسلامية التي تعزز التدين فيها مع دخول فضاء الحداثة مما حدا ببعض الباحثين إلى استنتاج أن الإسلام غير قابل للعلمنة.
إذن كل دراسة علمية لابد أن تطرح هذه الفرضيات ما لم تبرهن عليها وأن تترك مواقفها المسبقة جانباً إذا شاءت رصد هذه الظاهرة بموضوعية.

تفسير عودة الإسلام إلى المجال السياسي:

لا يمكن أن نصل إلى تفسير مقنع لعودة الإسلام إلى المجال السياسي وتبوئه مكانته العميقة إلا إذا نظرنا إلى مكونات هذا المجال بكثير من التحليل؛ فالبنية الثقافية الدينية للمجتمعات العربية من أهم خصائصها الاستمرارية, والقدرة على تجديد نفسها وتنشيط فاعليتها، فالعقل الإسلامي يقر بالتطور والتحول ويعتبره ناموساً في الوجود، ويؤكد على مشروعية الاجتهاد وضرورته خارج إطار النصوص القطعية الثابتة التي تمثل جوهراً مطلقاً ذا إلزامية لا محدودة ويفتح الباب على مصراعيه للاجتهاد في الفروع التي يندرج تحتها ما يتعلق بالمعاملات.
إن فشل التجارب القومية والاشتراكية في تحقيق ما كانت تعد به وعدم قدرتها على منافسة الخطاب الإسلامي تعزيز لهذه النجاحات التي يحققها على المستوى السياسي وبحسب عبد الإله بلقزيز فإن الإسلام السياسي في خطابه يحتكر الواجب في الممكن (الدين في السياسة), والممكن في الواجب (السياسة في الدين)؛ وذلك من خلال استعارته للطهرانية الدينية في السياسة فيبدو خطاباً أخلاقياً على مستوى من العفة, وهو يجسد الواقعية السياسية في صورتها
الجلية على صعيد الدين فيقنع جمهوره أن الإيمان ليس محض عقائد والتزامات مع الخالق فحسب بل فعل إنقاذ لأحكام الدين في الدنيا, يغذي ذلك ويقويه شمولية الفكرة الإسلامية مجال المصالح والمنافع ومجال العلاقة بين المخلوقين. ووجه هذا الاحتكار أن فرص المنافسة معه ضعيفة وباهتة بسبب انقطاع الصلة بين سائر الخطابات السياسية وبين مجال الرمز الديني.
ويضيف محللون مزية أخرى تتعلق ببساطة الخطاب الإسلامي حيث هو امتداد للمدرسة الحنبلية التي جسدتها أفكار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم واستعادتها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والتي من أهم سمات خطابها أنه بدوي تبسيطي يتغلغل في الوعي الشعبي بسرعة وأنه استمد بعده الفكري من خلال تفاعل البيئات الحضرية معه (مصر على سبيل المثال).

مما سبق, نرى أن المجال السياسي يتسع أمام حركات الإسلام السياسي مما يقربها من الاختبار الأهم وهو القدرة على المقاربة بين الايدولوجيا والسياسة؛ إذ السياسة كما يقال: "محرقة الايدولوجيا" وذلك ما عبر عنه هيغل بوضوح حين وصف الفكرة بأنها تنحط حينما تكون واقعاً.

مبادئ جوهرية في خطاب الإسلام السياسي:

من خلال قراءة آراء بعض المهتمين بنقد الخطاب الإسلامي، يمكن استخلاص أهم المبادئ التي يسعى هذا الخطاب إلى إرسائها:
1- النص والعقل يسيران في اتجاه واحد، وإذا اشتبه التعارض كان النص أولاً ومن ذلك يتفرع المبدأ الثاني.
2- لا اجتهاد في مقابل النص ،إذ كيف يقوم الاجتهاد الظني مقام النص القطعي.
3- الإسلام دين و دولة, ولا يجوز الفصل بين جانبيه الاعتقادي والعملي المتعلق بسياسة أحوال الناس (تطبيق الشريعة الإسلامية).
4- لا تعارض بين قيام دولة إسلامية وبين الديمقراطية في بعض جوانبها.

سمات صنعت صورة هذا الخطاب ووجوده في المجتمع العربي:

لا يختلف الخطاب السياسي الإسلامي كثيراً في القواعد والمقدمات عن غيره من الخطابات السياسية في العالم العربي؛ فهو خطاب دعوي تبشيري تحريضي، غير أن هناك من السمات ما تبدو أكثر بروزاً لديه:
- هو خطاب تبسيطي يميل إلى التواصل السهل مع جمهوره ويساعده في ذلك رمزيته الدينية التي لا ينافسه فيها غيره، ووقوفه في الغالب موقف المعارضة وذلك يكسبه المصداقية المطلوبة.
- التفاعل مع الحداثة ايجابياً وإن بدا ظاهراً أنه يتعامل مع الحداثة بشيء من الحذر المشوب بالرفض.
-اختياره للصبغة الإسلامية كمنطق خطابي بدلاً من منطق الفعالية المجردة وذلك جعله نافذاً في مجتمع مصطبغ بالصبغة الدينية.

تساؤل: هل يمكن اعتبار حركات الإسلام السياسي من قبيل منظمات المجتمع المدني من حيث كونها تنبثق من إحساس مشترك لدى أعضائها بوجود أزمة أو تقصير في جانب معين؟

صحيح أن منظمات المجتمع المدني من جمعيات حقوق الإنسان أو الجمعيات الطوعية والخيرية قد تعترض على قيم الأغلبية وتضع المنظومة الأخلاقية لمجتمعها على طاولة النقد إلا أنها تتميز بمميزات مهمة بل جوهرية:

- أنها تحتكم لقيم المجتمع السائدة, وتركز على صيانة هذه القيم وتقويم الانحرافات عنها.
- أن دورها يصب في إطار تقوية الأسس التي تقوم عليها هذه المجتمعات وتعضيد بنيتها القيمية ونسيجها الاجتماعي.

وهنا نجد أن حركات الإسلام السياسي ليست على مسافة واحدة من مؤسسات المجتمع المدني؛ فهي تبتعد حين تتبنى هذه الحركات نهجاً ثورياً, وتقترب وربما تتلاشى حين تنحو منحى إصلاحياً يركّز على الإصلاح الفردي والاجتماعي والخدمات الاجتماعية في حدود السقف المتعارف عليه في بلدانها.

أثر حركات الإسلام السياسي على المجتمعات العربية

مما لا شك فيه أن حركات الإسلام السياسي أدت ولا زالت تؤدي دوراً أساسياً على المسرح السياسي في المنطقة العربية ، ولا أدل على ذلك من أن السياسة في ثلاثة العقود الأخيرة لم تستطع التعبير عن نفسها بمعزل عن الدين تماهياً كلياً أو توظيفاً جزئياً. فقد ساهمت هذه الحركات مساهمات استنهاضية, كما ناءت المجتمعات العربية بأحمال تصرفات غير راشدة منها.

- إن التركيز على ضرورة المحافظة على الأصالة في خطاب الإسلام السياسي يعتبر مساهمة مهمة في تجديد الوعي الذاتي لدى الأمة(الهوية).
- يمتلك الخطاب الإسلامي قدرة فائقة على التعبئة الجماهيرية وذلك ما ترك بصمة واضحة في المعارك الوطنية ومقاومة المحتلين.
- دخول الحركات الإسلامية في معترك الديمقراطية ، أضافت ثراءً للتجارب الديمقراطية ونضجاً سياسياً.
- بروز حركات الإسلام السياسي كحركات ممانعة أدى إلى تحرير الدين من قبضة الأنظمة السياسية التي أعادت صياغته ليكون أداة لتطويع الناس أمام الأمر الواقع وهذه مساهمة مهمة في إعادة صياغة العلاقة بين السياسة والدين.
- كانت ولازالت نشاطات حركات الإسلام السياسي تخلق حالة من عدم الاستقرار في مجتمعاتها بسبب دورها المؤثر وعجزها عن حسم الصراع لصالحها مع عجز خصومها عن تحييد دورها.
- شعور القوة والتمكن وربما الغطرسة لدى بعض قيادات هذه الحركة وخطابهم التصعيدي زاد من خوف النخب الحاكمة وزرع القناعة لديهم بأن استقرار نظمهم السياسية ومستقبلها مرهون بقدرتهم على مواجهة الظاهرة الإسلامية المتنامية.
- المناوشات بين هذه الحركات والقوى العالمية العظمى خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية ألقت بالكثير من الثقل والتبعات على مسيرة هذه الحركات واستقرار مجتمعاتها.
- فشل هذه الحركات في إقناع النخب النافذة في مجتمعاتها والرأي العام الدولي ببراءتها من الآليات والوسائل الدموية التي استخدمتها الحركات الجهادية وغموض خطابها في هذا الشأن أعطى انطباعاً بأنها تحاول الاستفادة شعبياً من حصيلة المواجهة بين النظم السياسية والتنظيمات الجهادية.
- طغيان هوس السلطة والتغيير من الأعلى لدى بعض قيادات الإسلام السياسي أشغلهم عن استغلال مواردهم وقدراتهم الإنسانية والفكرية الضخمة في بناء قاعدة شعبية صلبة تركز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تهم المواطن. إن هذا الصراع في سبيل السلطة أنضج بلا شك تجاربهم السياسية إلا انه زرع بذور عدم الاستقرار في مجتمعاتهم وفي المنطقة بشكل عام.
- أخيراً, العودة القوية لأدبيات التيار الجهادي التكفيري حيث تقييد الاجتهاد وإعادة التنظير للدولة الدينية (الثيوقراطية)؛ كان له دور كبير في انتشار العنف في المجتمعات العربية.

لقد كانت نشأة الحركات الإسلامية ردة فعل على أزمة كانت تريد الخروج منها وأحدثت أزمة أخرى بوجودها وعجزها عن تحقيق الحسم فأثمر ذلك حالة من عدم الاستقرار في مجتمعاتها، لم تكن تلك أزمتها لوحدها بل هي أزمة عامة ولكنها شكلت محور الأزمة بسبب موقعها المرموق ودورها المؤثر.
إن من واجب الحركات الإسلامية التعريف عن نفسها تعريفاً صحيحاً يوضح حدود علاقتها بالإسلام ، تلك العلاقة المصنوعة لخدمة السياسة حتى لا يتوهم التماهي ويتم تحميل الإسلام كعقيدة أوزار أفعال غير راشدة لا يستبعد أن تصدر في غمرة الانغماس في معارك السياسة وحتى يبقى معنى الإسلام كعقيدة جامعة بدلاً من تحريفه إلى إيديولوجيا تعمّق الفرقة والشقاق.

في مجتمعنا السعودي,

لم تكن هذه الأزمة حاضرة في ذهنية الخطاب الإسلامي مع دخول المملكة في فضاء التنمية بنفس الحدة والوضوح بحيث تستدعي شعوراً بالخطر, وذلك يرجع إلى أن الدولة تتولى حماية الدين ودعمه من خلال أجهزتها الرسمية. وبالرغم من ذلك فقد كانت هناك محاولات لجلب هذه الأزمة وإعادة إنتاجها من خلال الربط بين الخطاب الإسلامي خارج المملكة وداخلها إما من قبل الإسلاميين أنفسهم, أو من قبل خصومهم وهدفهم في ذلك تحقيق أهداف سياسية لحظية.
لا يعني هذا أننا ندعي خلو الخطاب الديني من البعد السياسي؛ لكن نؤكد أن مبادئ هذا الخطاب أقل في صرامتها منها في نظيره من الخطابات خارج المملكة, ومرجع ذلك إلى اختلاف البيئة ونوعية التحديات. لقد أدى استيراد هذه الأزمة إلى خلق حالة من الارتباك والاحتقان غير المبرر على المستوى الاجتماعي؛ ووجه ذلك أن النظام يتبنى رؤية تحديثية تنموية وهو مع ذلك يؤكد على الهوية الدينية, ومطالبات الخطاب الإسلامي لا تعدو أن تكون صيانة لهذا التوجه وترشيداً له.



مصادر ومراجع:
- مجموعة مؤلفين, الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي (مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية).
- عبد الإله بلقزيز, الإسلام والسياسة (المركز الثقافي العربي)
- محمد جابر الأنصاري, الفكر العربي وصراع الأضداد (المؤسسة العربية للدراسات والنشر).
- محمد جابر الأنصاري, تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي (عالم المعرفة).
- عبد الله الخريجي, علم الاجتماع الديني
- إبراهيم أعراب, الإسلام السياسي والحداثة (أفريقيا الشرق - المغرب)
- عادل ظاهر, أولية العقل؛ نقد أطروحات الإسلام السياسي (دار أمواج)
- عبد العزيز الخضر, السعودية سيرة دولة ومجتمع (الشبكة العربية للأبحاث والنشر)


----------------

نقد ( الإسلام السياسي)

ملاحظات على ورقة اثر حركات الإسلام السياسي ,,



بعد التحية للجميع ..كنت أتمنى لو تسنت لي الفرصة للحضور لورقة الأخ عبدالله الضويان , حول أثر حركات الإسلام السياسي , وإذ لم أجد فرصة لذلك فهذه مداخلة ..أطرح فيها بعض الملاحظات على ورقة الزميل الكريم ..



قال الأخ الكريم : (أدى التدهور الذي أصاب الأمة الإسلامية في بدايات القرن الماضي ابتداءً من المواجهات العسكرية مع القوى الأوربية الصاعدة ثم تراجع الدولة العثمانية حتى انهيارها ووقوع غالبية الدول الإسلامية تحت الاستعمار, إلى تسرب الشعور بالضعف والتخلف وبرز السؤال الذي بدا ملحاً وواضحاً في تلك المرحلة وهو السؤال عن سبب هذا التخلف وسبيل الخلاص ).



وثمة إشكال هنا , لماذا لم يتسرب الشعور بالضعف , والتخلف ..قبل هذا التدهور , والانهيار ..الذي كان مظهرا بارزا , من مظاهر التخلف والرجعية ..ذلك أن الاستعمار لم يكن سببا للتخلف , بقدر ما كان نتيجة له ..ولولا هذا التخلف , والانهيار ,ما تهاوى ( رجل أوربا المريض) , ووقعت الدول الإسلامية تحت الاستعمار ..ما هي البنى الفكرية التي ساهمت قبل الاستعمار , في تهاوي المجتمعات الإسلامية ؟! ..إنها مع الأسف ذات البنى التي تنطلق لاحقا من حلها السحري ( الإسلام هو الحل) ..واستجداء الغيب , والركون إلى الماضي , لحل مشكلات العصر , ومعطيات الواقع الجديد , والمتحرك ...إن كل الدول المستعمرة _ بكسر الميم_ هي دول كافرة , بينما الدول المستعمرة _ بفتح الميم_ مسلمة ..وسواء كان الإسلام يتجلى بأبهى صوره , أو بأقلها بهاء ..إلا أنها دول إسلامية , مقارنة بغيرها ..ولم يكن هذا الإسلام لهذه الدول على اختلاف درجته , مانعا لها من الاستعمار ..فأين دور ( الإسلام هو الحل) ..ولو كان الإسلام حلاً , كيف تقدمت الدول الكافرة بدونه ؟! ..وتخلفت المسلمة به , بغض النظر عن درجة تمثلها له ..إذ أن مقولة ( الإسلام هو الحل) ..يعطي صورة مشوشة عن طبيعة هذا ( الإسلام) الذي هو ( الحل) ..فعن أي إسلام نتحدث ؟! , طالما أن البلدان الإسلامية على اختلاف ( إسلامها) تشددا وتيسراً , ظاهرية ومقاصداً , كلها ( متخلفة) , ومستعمرة ؟! ..



كتب الأخ الكريم : (من نافل القول أن الإسلام واحد، حيث لا يجوز الحديث عن إسلامات متعددة، غير أن استقلاله وتفرده لا ينفي تعدد أفهام المتلقين ولا يلغي حقهم في الاجتهاد في حدود النصوص ذات الدلالة غير القطعية, ومن هذا المنطلق تفرع الفقه إلى مذاهب والجماعة المسلمة إلى تيارات و فرق. إن هذا الغياب للوحدة الفكرية لهو دليل واضح على أننا لا نتعامل مع النصوص بل مع آراء متلقيها ).



ما هو ضابط ( القطعية) في النص ؟! بل كيف علم الكاتب أن ماهو ذو دلالة قطعية , لا يجوز فيه الاجتهاد ؟! ذلك أن معرفة أن ما هو ( قطعي) لا يجوز الاجتهاد معه , هو أمر "اجتهادي" , أو استدلالي ..وليس ضروري ..فلا يجمع العقلاء في كل ملة على قطعية هذا القطعي , وإنما هو ( قطعي) نتيجة سلوك ( استنباطي) و ( استدلالي) ..كذلك ما هو ( قطعي ) حينما يستدل به في سياق "ظرفي" , يفقد ( قطعيته) ليكون "ظنياً" , لان تحويله من نص "مجرد" مقتطع من سياقه , إلى نص يقع ضمن سياق وحادثة معينة , وتحقيق مناطه ضمن هذا الظرف..هو أمر ( اجتهادي) ..ومثاله : قطع يد السارق , فهذا حكم قطعي , ولكن إنزاله على حالة معينة , يكون حكماً ( نسبياً) , وهذا ما فعله عمر بن الخطاب ..كذلك القطعي في هذا يرتبط بمقصد , وهو الردع والنهي , لا مجرد ( التشويه) في قطع اليد ..والسؤال : إذا تبين أن دور الإصلاح , والتقويم السيكولوجي , والأخلاقي (للص) يرده عن ارتكاب "السرقة" فهل في هذا تعارض مع ( قطعية المقصد) للنص نفسه ؟! ...إن ما هو (قطعي) لا يحدد إلا اجتهاداً , كذلك هو كنص إبتدائي يمكن وصفه ( بالقطعية) , ولكن دخوله في علاقة "ديالكتيكية" مع الواقع يحيله إلى نص "نسبي" , أو مقاصدي ..والنص المقاصدي نص "عقلي" تشترك به كل العقول في العالم ..ضمن إطار التحسين والتقبيح العقليين ..كذلك المدارس الإسلامية كالاشاعرة , والمعتزلة , وأهل السنة ..اختلفو على نصوص عقدية , ولم يكفر أيا من هذه الفرق الفرق الأخرى , ويخرجها من دائرة الإسلام , رغم أن الخلاف يتجاوز الفرعيات , إلى قضايا عقدية , أختلف الصحابة حولها ..





قال الأخ الكريم : (وفي نصوص القرآن والسنة تأكيد على مفاهيم من شأنها الإبقاء على صفائه وحمايته من الانحراف والاندثار، كالتركيز على العلم والتعلم والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والتوبة ومراجعة النفس وغيرها من المفاهيم التي ضمنت له الحياة في كل الظروف.)



هل ثمة دين في العالم , أو أي تجمع عقلاء في العالم ..لا يقول بذلك ؟! إذ لولا الأمر بالعلم , والتقدم , والأمر بالمعروف ..ما سادت الدول المستعمرة _ بكسر الميم_ على الدول المستعمرة _ بفتح الميم_ هل ثمة مجتمع بالعالم , على اختلاف عقيدته , لا يقول بالعلم , ولا يتمثل مجتمعه لقيم أخلاقية ؟!..إن هذه الأمور التي أتى بها الدين الإسلامي , هي موجودة في كل دين ..هي إدراك "عقلي" , يدركه كل عاقل في العالم ..تخصيص دين معين بها , يكذبه الواقع ..الذي يكشف عن تطور كثير من المجتمعات رغم كفرها ..وتخلف كثير من الدول الإسلامية ..كما في تقارير التنمية ..رغم القول بخصوصية هذه المجتمعات "الدينية" لأنها تنطلق من دين متجدد , ويحرص على التطور ..الدين نص مقدس , ومحايد ..وإنما العقل المتعاطي معه , هو الذي يحوله إلى نص فاعل ومتحرك , أو نص جامد .وهذا العقل , هو خارج سلطة الدين .. إذ ان معرفة البعد الأخلاقي للنص الديني , يستلزم معرفة أخلاقية سابقة على النص ..وإلى لو كانت القيمة الأخلاقية يشكلها النص , وقعنا في الدور وهو محال ..بمعنى , هل يمكن للنص الديني أن يأمر بما هو غير أخلاقي ؟! ..إن كان : لا ..كيف علمنا ذلك ؟! إذا قلنا : بالنص , وقعنا في ( الدور) , إذا كان بمرجعية أخلاقية "عقلية" , تحاكم النص ودلالته الأخلاقية , فهنا نقول بأمر "عقلي" يتجاوز النص ..



قال الأخ الكريم : (هل كانت علاقة موضوعية فرضتها شروط مرحلة تاريخية ما، والشروط التاريخية من شأنها التغير مما ينفي عن هذه العلاقة صف الثبات؟, أم أن العلاقة بينهما علاقة منطقية مفهومية بمعنى أن سياسة أحوال الناس جزء من جوهر الإسلام لا يتأثر بالأحوال والظروف؟ ) ..



هذا سؤال في غاية الخطورة , والأهمية ..وكنت أنتظر من الأخ الإجابة عليه ..ذلك أن أزمة الفكر والتاريخ الإسلامي , تكمن في تداخل "الديني" بالسياسي ..فلو تم التعاطي مع السياسة في سقيفة بني ساعدة , كشأن "دينوي" , لا ديني ..ما تفرعت كل هذه المذاهب العقدية داخل الإسلام , التي كانت تنطلق من موقف سياسي , تحول لاحقا , إثر التراكم الكمي , إلى تغير نوعي / عقدي ..إن الرسول لم يبين أمر السياسة , لأنه شأن دنيوي , ولو كان "ديني" , ما مات إلا وقد بينه ..ولكن السياسة شأن "مدني" صرف , يحكم بمحددات , وسياقات الواقع الجديد , والمتغير ..



قال الأخ الكريم : (فالبنية الثقافية الدينية للمجتمعات العربية من أهم خصائصها الاستمرارية, والقدرة على تجديد نفسها وتنشيط فاعليتها، فالعقل الإسلامي يقر بالتطور والتحول ويعتبره ناموساً في الوجود، ويؤكد على مشروعية الاجتهاد وضرورته خارج إطار النصوص القطعية الثابتة التي تمثل جوهراً مطلقاً ذا إلزامية لا محدودة ويفتح الباب على مصراعيه للاجتهاد في الفروع التي يندرج تحتها ما يتعلق بالمعاملات ).



كيف تكون البنية الثقافية متجددة , وهي أسيرة الماضي ومقولاته ؟! وهي أسيرة الماضي ومذاهبه ؟! بل لو كانت ثقافة متجددة , ومتطورة ..كيف تهاوت أمام الاستعمار ؟! ..كيف لثقافة دينية متجددة ..أن لا تستطيع الخروج من ربقة التقليد , واجترار مقولات الأئمة السابقين ؟! كيف لثقافة متجددة , تبقى على ما يقرره الماوردي , وأبو يعلى , فيما يتعلق بالسياسة الشرعية ؟! ..كيف منذ معاوية وحتى اليوم , لم يحسم الموقف من سلطة الشعب والسياسي ..بل إن الشعب ليس إلا "رعية" _ كذا_ وكما يقرر الفقهاء أن العقد السياسي والديني مثل عقد ولي الفتاة , والزوج ..والشعب هم "الفتاة" ليس لهم من الأمر شيء ؟! ..البنية الدينية هي بنية غير قابلة للتجديد مع الأسف , ولو كانت كذلك ..ما كان هذا وضعها اليوم ..بل القول أنها متجددة , ومتطورة ثم تعرضت للتهاوي , يعني أن لدينا مشكلة في تعريف التطور , والتجدد ..! وإن قلنا أن هذه القابلية للتطور هي في (النص) ولكن الإشكال في المسلم ( المتعاطي معه) ..نسأل : لو كان التجديد في ذات النص , لماذا لم يحرك "النص" المسلم لاستخراج مكنونه المتجدد ؟! ..إن القول باكتناز النص , وقابليته للتجديد .. وبعدم قدرة المسلم على تفعيل دوره في قراءة النص , يؤكد ما نقوله عن أسبقية وأولية "العقل" , الذي يتحرك ليحرك معه ( النص) لا أن نضع العربة أمام الحصان , فيتحرك النص ليحرك العقل القارئ له !! ..



نقل الأخ الكريم : (وذلك من خلال استعارته للطهرانية الدينية في السياسة فيبدو خطاباً أخلاقياً على مستوى من العفة, وهو يجسد الواقعية السياسية في صورتها

الجلية على صعيد الدين فيقنع جمهوره أن الإيمان ليس محض عقائد والتزامات مع الخالق فحسب بل فعل إنقاذ لأحكام الدين في الدنيا, يغذي ذلك ويقويه شمولية الفكرة الإسلامية مجال المصالح والمنافع ومجال العلاقة بين المخلوقين. ووجه هذا الاحتكار أن فرص المنافسة معه ضعيفة وباهتة بسبب انقطاع الصلة بين سائر الخطابات السياسية وبين مجال الرمز الديني ) ..!



السياسة تقوم على المتغير , والمصلحي , وليست منظومة أخلاقية "دينية" ..كذلك (الدين) يمكن أن يستخدمه السياسي في الاستبداد , أو يستخدمه في العدل ..وسيجد في ( النص) ما يسعفه لكلا هذين الخيارين ..والدين يستخدمه (الخارجي) في القتل , والتفجير ..و ( السلطاني) في تبرير الحاكم , وهكذا يقبل الدين القراءة والقراءة المضادة ..بل حتى الصحابة الذين شهدوا التنزيل , تقاتلوا , واستحل بعضهم دماء بعض , أنطلاقا من ذات ( النص) ..فالنص هنا موضوع إشكال ..من يفهمه ؟! وكيف نؤكد أن فهم هذا أحق من فهم ذاك ؟! فإن قلنا : بالعودة إلى ( النص) فهذه مصادرة على المطلوب ..إذ أن هذه العودة (للنص) إمام تقدم قراءة ثالثة , أو تؤكد أحد هاتين القراءتين ..والسؤال : ما الذي يجعل القراءة الثالثة , أو المؤكدة , حجة على غيرها ..طالما أن ( جدل النص) نفسه لم يحسم ..؟! ولهذا نجد الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة , يقول له إذا أتيت قوما فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تعلم أتصيب فيهم حكم الله أم لا ..وإنما أنزلهم على حكمك ..فكل تناول (بشري) للنص , يلغي عصمة ( النص) , ولا يتوسل بنقضه أنطلاقاً من (النص) نفسه ..لتعددية وضدية قراءات هذا ( النص) , الذي يكمن إعجازه في سعته وثراءه اللغوي , والتأويلي ..





يقول الأخ : (ويضيف محللون مزية أخرى تتعلق ببساطة الخطاب الإسلامي حيث هو امتداد للمدرسة الحنبلية التي جسدتها أفكار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم واستعادتها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والتي من أهم سمات خطابها أنه بدوي تبسيطي يتغلغل في الوعي الشعبي بسرعة وأنه استمد بعده الفكري من خلال تفاعل البيئات الحضرية معه (مصر على سبيل المثال).



التغلغل في مصر , نتيجة الدعم المادي الكبير , للفكر الوهابي ..وإلا هو "فكر" معادي للتطوير , وللنهضة ..وهو فكر بسيط وساذج في تعاطيه مع معطيات ومتغيرات وتعقيدات العصر ..





كتب الأخ الكريم : (- النص والعقل يسيران في اتجاه واحد، وإذا اشتبه التعارض كان النص أولاً ومن ذلك يتفرع المبدأ الثاني.

2- لا اجتهاد في مقابل النص ،إذ كيف يقوم الاجتهاد الظني مقام النص القطعي.

3- الإسلام دين و دولة, ولا يجوز الفصل بين جانبيه الاعتقادي والعملي المتعلق بسياسة أحوال الناس (تطبيق الشريعة الإسلامية).

4- لا تعارض بين قيام دولة إسلامية وبين الديمقراطية في بعض جوانبها.)



بالنسبة للنقطة الأولى : كيف علمت أن النص يقدم على العقل في حال التعارض بينهما ؟! كيف تفهم دلالة (النص) على التعارض ؟! لا يمكن أن تقدم (النص) لأن أي حجة تستخدمها لتقديم (النص) هي حجة عقلية ابتداء ..!





النقطة الثانية : كيف علمت هذه القاعدة ؟! أنه ( لا اجتهاد مع النص) ؟! إلا بالاجتهاد , لأن هذه قاعدة استدلالية , وليست ضرورية ...ما هو النص ( القطعي) ؟! الحكم القطعي يعتبر ابتداء , ودون تفاعله مع ظرفيته , نص (قطعي) على دلالته , لكن تحقيق مناطه , ودخوله في علاقة تفاعلية مع الواقع يحوله إلى نص ( نسبي) و ( اجتهادي) ..



النقطة الثالثة : دين ودولة ..والعطف يقتضي التغاير ..وكونك توجد علاقة بينهما , هذا دليل أنهم متغايران ! ..والجانب العملي لا علاقة له بالجانب الأعتقادي ..وإلا حكمت بالكفر على المسلمين الذين يمارسون عقائدهم بحرية , في المجتمعات العلمانية ..لأن الترابط بين العقدي , والعملي عندك , ترابط ضروري ..!



النقطة الرابعة : ما هو دليل عدم هذا التعارض ؟! وبالنسبة لفهم من ؟! وما حجة من لا يرى التعارض , على من يرى التعارض ؟!!



كتب الأخ : (لا يختلف الخطاب السياسي الإسلامي كثيراً في القواعد والمقدمات عن غيره من الخطابات السياسية في العالم العربي؛ فهو خطاب دعوي تبشيري تحريضي، غير أن هناك من السمات ما تبدو أكثر بروزاً لديه:

- هو خطاب تبسيطي يميل إلى التواصل السهل مع جمهوره ويساعده في ذلك رمزيته الدينية التي لا ينافسه فيها غيره، ووقوفه في الغالب موقف المعارضة وذلك يكسبه المصداقية المطلوبة.

- التفاعل مع الحداثة ايجابياً وإن بدا ظاهراً أنه يتعامل مع الحداثة بشيء من الحذر المشوب بالرفض.

-اختياره للصبغة الإسلامية كمنطق خطابي بدلاً من منطق الفعالية المجردة وذلك جعله نافذاً في مجتمع مصطبغ بالصبغة الدينية ) .



1_ كذلك خطاب ( شعر القلطة) خطاب تبسيطي , وسهل للجمهور .!

2- هل المعارضة تمثل "المصداقية" دوماً؟! ..

3- ماذا أضافت هذه الحركات للحداثة من ناحية إيجابية ؟!

4- حتى خصوم الحركات الإسلامية من الإسلاميين التقليديين , ينطلقون من صبغة دينية , في مجتمعات لها ذات الصبغة ..! فما الذي يجعل بعضهم حجة على بعض ؟!



يقول الأخ الكريم : ( أنها تحتكم لقيم المجتمع السائدة, وتركز على صيانة هذه القيم وتقويم الانحرافات عنها.

- أن دورها يصب في إطار تقوية الأسس التي تقوم عليها هذه المجتمعات وتعضيد بنيتها القيمية ونسيجها الاجتماعي.)



كيف يجوز لها تقويم وتقديل القيم , ولا يجوز ذلك لغيرها ؟! تحرير العبيد , وزواج الصغيرات , والتفاوت الطبقي , والعرقي , سمات المجتمعات المسلمة ..وهذه قيم تم تقويمها انطلاقا من اعتبارات أخلاقية أكثر من كونها دينية , كتحرير العبيد , الذي قاده أبراهم لينكون ..! وكما ذكرنا سابقا الاعتبار الأخلاقي , سابق (للنص) . وهو الذي حدد أخلاقية ( النص) ..





مع كل التحايا ,,



الحميدي العبيسان ,,



------------



قرأت ملحوظات أخينا د الحميدي ، في رسالة رقم ( 194) ، وكم تمنيت أنه موجود يوم أن طرحت الورقة

ليثري النقاش بمداخلته ، و كانت مداخلته المكتوبة هنا ثرية جدا - مع تحفظي على

بعض ما طرح - ولست هنا بصدد ذكر كل ما اختلف معه فيه ، لكن لفت نظري نقطتان :
النقطة الأول : قوله ((ما هو ضابط ( القطعية) في النص ؟! بل كيف علم الكاتب أن ماهو ذو دلالة قطعية , لا يجوز فيه الاجتهاد ؟! ذلك أن معرفة أن ما هو ( قطعي) لا يجوز الاجتهاد معه , هو أمر "اجتهادي" , أو استدلالي ..وليس ضروري ..فلا يجمع العقلاء في كل ملة على قطعية هذا القطعي , وإنما هو ( قطعي) نتيجة سلوك ( استنباطي) و ( استدلالي) ..كذلك ما هو ( قطعي ) حينما يستدل به في سياق "ظرفي" , يفقد ( قطعيته) ليكون "ظنياً" )) ،

ومحصل كلام الدكتور هنا تحويل الدين كله إلى أمر نسبي ظني ، وهو هنا يناقض العقل ، أي أنه يدعو لأمر غير عقلاني إطلاقا ، فكل دين يقوم على قطعيات متفق على قطعيتها يستحيل عقلا أن يبقى وصف ( الدين ) صادقا عليه من دونها ، فقطعية وجود رسول للدين ووجود إله مرسل لهذا الرسول ، وقطعية وجود أركان لا يتم وصف الدين بدونها ، أمر عقلاني لا يمكن إنكاره ، وهذه الثلاثة وتعيينها إنما يكون بالنص ، فتعيين الرسالة لمحمد صلى الله وسلم ، وتعيين أركان الإسلام وصفاتها إنما مصدره النص لا العقل ؛ إذ العقل يُجِّوز نفيها لمن لا يؤمن بالأديان كلها ، ويجوز إثبات الرسالة لغير محمد وإثبات أركان أخرى للإسلام لمن هو مؤمن غير ملحد ، وكل باحث تجاهها بين أمرين :

الأمر الأول : أن يسلم أنها قطعيات في الإسلام لا يجوز الخلاف فيها ، والاجتهاد فيها ، وأن كل مسلم مهما كان مذهبه ( سنيا أو شيعيا أو أباضيا أو زيديا أو معتزليا .. إلخ ) مؤمن بها وليس هناك خلاف ألبتة فيها ، وهنا فهو يسلم بمبدأ وجود ( القطعي ) في الدين وأنه متفق عليه لا يجوز الخلاف حوله إطلاقا ، وبهذا تبطل نظريته بنسبية الآراء الدينية كلها ، وتبطل نظريته بأن الحاكمية في كل شيء في الدين للعقل ، ولابد أن يسلم أن للنص مجالا في إثبات قطعية بعض مبادىء الدين

الأمر الثاني : ألا يسلم بقطعية ماذكرته ( وجود الله ، وصحة رسالة الرسول ، وأركان الدين ) فتكون عنده ظنية خاضعة للاجتهاد والنفي ،إذ الظني قابل للثبوت ، وقابل للنفي وهنا يكون الدين كله برمته ظنيا ، ، وهنا ينتفي وجود الدين أصلا ؛ إذ لا وجود لدين كله ظني قابل للنفي .

يبقى الاختلاف في مساحة ( القطعي ) أمرا قابلا للاجتهاد فقد يتوسع بعض السلفيين في القطعيات حتى يدخلوا فيها ما هو ظني ، وقد ينفي بعض من يرى أنه عقلاني ما أجمع على قطعيته ( إجماعا حقيقيا ) .

ولو أن الدكتور حدد مساحة الظني بما ليس من أركان الإسلام والإيمان وما ليس عباديا محضا ( إذ العبادة لا عمل للعقل فيها باتفاق العقلاء ، فالإيمان بها مصدره النص ولا شيء غير النص تشريعا من حيث مبدأ التكليف ، ومن حيث صفات العبادة (( كالصلاة وعدد أركانها والصوم ووصفه والحج والاعتكاف .. إلخ )) لو فعل الدكتور ذلك لكانت وجهة نظره قابلة للمناقشة ، أما أن يقرر أن العقل حاكم على كل النصوص فهي نظرة غير عقلانية أبدا

النقطة الثانية : قال الأستاذ الضويان (( النص والعقل يسيران في اتجاه واحد، وإذا اشتبه التعارض كان النص أولاً.) علق عليه الدكتور الحميدي بقوله (( كيف علمت أن النص يقدم على العقل في حال التعارض بينهما ؟! كيف تفهم دلالة (النص) على التعارض ؟! لا يمكن أن تقدم (النص) لأن أي حجة تستخدمها لتقديم (النص) هي حجة عقلية ابتداء )) أ هـ


قلت :نحن هنا بين قولين قول الضويان بتقديم النص دائما ( تقريبا وإن كان عاد وقال كيف نقدم الاجتهاد الظني على النص القطعي ) ، وقول الحميدي بتقديم العقل دائما ، والطريف أن هذا الخلاف بين الزميلين الفاضلين هو الخلاف الذي شغل الأمة منذ القرن الثالث الهجري إلى الآن ، وقد نظَّر الرازي لوجوب تقديم العقل ، ونظَّر متقدمو أهل الحديث لتقديم النص وكلا القولين خطأ ، وطرح ابن تيمية نظرية رائعة في هذا وهي : إذا وجد تعارض بين العقل والنص فلا يخلو التعارض من أربع صور :

الصورة الأولى : أن تكون دلالة العقل قطعية ودلالة النص ظنية فهنا يجب تقديم دلالة العقل .

الصورة الثانية : أن تكون دلالة النص قطعية ودلالة العقل ظنية فهنا يجب تقديم دلالة النص كوجود الجن مثلا .



الصورة الثالثة : أن تكون دلالة العقل ودلالة النص كلاهما ظنية هنا يرجح أحدهما وهو ما كان له مرجح .

الصورة الرابعة : أن تكون دلالة العقل قطعية ودلالة النص قطعية وهذه مستحيلة الوجود أصلا ، قلت : لأن المسلم يؤمن أن القطعي من دلالات النصوص لا يمكن أن يناقض القطعي من دلالات العقول ، وغير المسلم يرى استحلالة وجود قطعي يخالف دلالة العقل القطعية ،لكن المسلم هنا لا يسلم بأن ما يذكره غير المسلم هو قطعي من حيث العقل ، بل يظل ظني الدلالة ، فمثلا لو ادعى غير المؤمن أن العقل يدل دلالة قطعية على استحالة البعث بعد الموت ، لم يسلم له المؤمن بهذا ، لأن الدلالة العقلية القطعية لا يختلف العقلاء في قطعية دلالتها ومثل ذلك فقطعيات الدين المتفق على قطعيتها دينيا كإثبات وجود الخالق وإثبات الرسالة لا يمكن إثبات قطعية استحالة وجودها من الناحية العقلية .



ما الإشكال الذي نعاني منه اليوم وعانت منه الأمة سابقا ؟

الإشكال هو عدم (( حصر )) قطعيات الدين المجمع على قطعيتها فهناك قطعيات متفق عليها كأركان الإسلام ، وأركان الإيمان ، وحرمة الكبائر المجمع على حرمتها،وغيرها ، فدلالة النص على مثل هذا قطعية بإجماع كل المذاهب الإسلامية ، لكن يبقى الإشكال في أن كل مذهب ديني يؤمن بقطعيات لا تتفق معه بقية الفرق على قطعيتها ؛ فمذهب أهل الحديث والحنابلة ( ما يسمى اليوم بالمذهب السلفي ) يرى أن دلالة النص على العلو لله من القطعيات، والمذهب الشيعي يرى دلالة النص على الإمامة من القطعيات ، والمذهب المعتزلي يرى دلالة النص على نفي الصفات عن الله تنزيها له من القطعيات ، وهكذا ، ولعل أجمل ما في مذهب أهل الحديث أن المحققين منهم كابن تيمية لا يكفرون من لا يتفق معهم على الإيمان بقطعية دلالة بعض النصوص كدلالة آيات الصفات ، بل يبقونهم في دائرة الإسلام مع النظر إليهم على أنهم مبتدعة ، هذا من حيث التأصيل لكن من حيث التطبيق والممارسة يحصل تعد كبير في هذا .



نختم بإعادة التذكير بالنقطتين :

- نفي القطعية عن كل دلالات النصوص في الإسلام قول غير عقلاني إطلاقا .



- خطأ القول بتقديم النص إذا عارض العقل مطلقا ، وخطأ القول بتقديم العقل مطلقا .



أشكر الدكتور الحميدي على إثراء النقاش حول الورقة



د سليمان الضحيان



-------------

قال الدكتور الضحيان : (ومحصل كلام الدكتور هنا تحويل الدين كله إلى أمر نسبي ظني ، وهو هنا يناقض العقل ،

أي أنه يدعو لأمر غير عقلاني إطلاقا ، فكل دين يقوم على قطعيات متفق على قطعيتها

يستحيل عقلا أن يبقى وصف ( الدين ) صادقا عليه من دونها ، فقطعية وجود رسول

للدين ووجود إله مرسل لهذا الرسول ، وقطعية وجود أركان لا يتم وصف الدين بدونها

، أمر عقلاني لا يمكن إنكاره ، وهذه الثلاثة وتعيينها إنما يكون بالنص ، فتعيين

الرسالة لمحمد صلى الله وسلم ، وتعيين أركان الإسلام وصفاتها إنما مصدره النص لا

العقل ؛ إذ العقل يُجِّوز نفيها لمن لا يؤمن بالأديان كلها ، ويجوز إثبات

الرسالة

لغير محمد وإثبات أركان أخرى للإسلام لمن هو مؤمن غير ملحد ، وكل باحث تجاهها بين

أمرين :



الأمر الأول

:



أن يسلم أنها قطعيات في

الإسلام لا يجوز الخلاف فيها ، والاجتهاد فيها ، وأن كل مسلم مهما كان مذهبه

( سنيا أو شيعيا أو أباضيا أو زيديا أو معتزليا .. إلخ ) مؤمن بها وليس هناك خلاف

ألبتة فيها ، وهنا فهو يسلم بمبدأ وجود ( القطعي ) في الدين وأنه متفق عليه لا

يجوز الخلاف حوله إطلاقا ، وبهذا تبطل نظريته بنسبية الآراء الدينية كلها ، وتبطل

نظريته بأن الحاكمية في كل شيء في الدين للعقل ، ولابد أن يسلم أن للنص مجالا

في إثبات قطعية بعض مبادىء الدين )



كيف علمت يا دكتور أن : (كل دين يقوم على قطعيات متفق على قطعيتها ) ..لا أظنك ستقول علمت ذلك من ( النص) فهذه مصادرة على المطلوب , لأن (النص) الذي يفيد القطعية , يحتاج إلى دليل (عقلي) يثبت عصمته , و قطعيته ..وما ذكرته أنت من أن (العقل) نفسه يقر بذلك ..وبالتالي تقديم العقل هنا أمر ضروري , لتحديد ما هو "قطعي" , لا سيما أن تحديد ما هو (قطعي) أمر استدلالي لا ضروري ..كذلك , هل (قطعية ) وجود الرسول علمت بالنص أم بالعقل ؟! ..إن كان ب(النص) كيف دل النص عليها أصلا ؟! بكل يكف علمت أن مصدر (النص) إلهي ؟! دون مرجعية العقل ابتداءً ؟! وفهم دلالته على هذا (الوجود للرسول ) وعلى وجود (القطعيات) ؟!..



يا دكتور , كيف علمت أن النص الذي نص على نبوة محمد نص (قطعي) ومن الله ؟! هل هو من (النص) نفسه , أم أمر عقلي ..يدرك أن لكل شيء موجد , وأن الله لا يعطي المعجزة الكذاب , ولا يفعل القبيح ..فدل ذلك ابتداء على أن هذا النص من الله , وهذا الرجل المؤيد بالمعجزة نبي , وبالتالي تم التسليم بما هو "قطعي" في ما حمله هذا الرسول , انطلاقا من (العقل) ..!



تقول يا دكتور : (قطعيات في الإسلام لا يجوز الخلاف فيها ) ..كيف علمت ذلك ؟! كيف فهمت أن دلالة (النص) الذي تسلم له , لا تجيز الخلاف في ذلك ؟! إن قلت : بالنص مصادرة ..إن قلت : بالعقل ..فهذا ما نقوله ..



القطعيات الدينية , يسلم بها , لان (العقل) أقر بقطعية (النص) ..أقر بوجود الخالق (عقلا) و بالمعجزة ( عقلا) , وأن الله لا يعطي المعجزة الكذاب ( عقلا) ..وبالتالي : فما هو في هذا (النص) الذي ثبت مصدره (عقلياً) , من (القطعيات) يسلم بها ..





قال الدكتور : (الأمر الثاني

: ألا يسلم بقطعية ماذكرته

( وجود الله ، وصحة رسالة الرسول ، وأركان

الدين ) فتكون عنده ظنية خاضعة للاجتهاد والنفي ،إذ الظني قابل للثبوت ، وقابل

للنفي وهنا يكون الدين كله برمته ظنيا ، ، وهنا ينتفي وجود الدين أصلا ؛ إذ لا

( وجود لدين كله ظني قابل للنفي)



يا دكتور هل علمت ( وجود الله) بالعقل أم بالنص ؟! ..إن كان بالعقل فهذا ما نريد ..إن كان بالنص , كيف علمت أن هذا النص من الله ؟! هل ستقول من النص نفسه ؟! سندخل هنا في (دور) والدور محال ..



قال الدكتور : ( ولو أن الدكتور حدد



(مساحة الظني بما ليس من أركان الإسلام والإيمان وما ليس عباديا محضا إذ العبادة

لا عمل للعقل فيها باتفاق العقلاء ، فالإيمان بها مصدره النص ولا شيء غير النص

تشريعا من حيث مبدأ التكليف ، ومن حيث صفات العبادة (( كالصلاة وعدد أركانها

والصوم ووصفه والحج والاعتكاف .. إلخ )) لو فعل الدكتور ذلك لكانت وجهة

نظره قابلة للمناقشة ، أما أن يقرر أن العقل حاكم على كل النصوص فهي

نظرة غير غير عقلانية أبدا )



يا دكتور لقد قلت في ردي في الموضوع الأول : (كذلك ما هو ( قطعي ( حينما يستدل به في سياق "ظرفي" , يفقد ( قطعيته) ليكون "ظنياً) ..وما يدخل في السياق (الظرفي) ليس من قبيل العبادات , وإنما من قبيل المعاملات , وهذه قرينة في غاية الوضوح ..كما لا ينفي أن مصدر التسليم ب(القطعيات) هو لثبوت مصدرها الإلهي بالعقل , الذي اثبت عصمة (النص) , و ( النبي) الحامل له ..



قال الدكتور : (وطرح ابن تيمية نظرية رائعة في هذا وهي : إذا وجد تعارض بين العقل والنص فلا يخلو التعارض من أربع صور :

الصورة الأولى : أن تكون دلالة العقل قطعية ودلالة النص ظنية فهنا يجب تقديم دلالة العقل .

الصورة الثانية : أن تكون دلالة النص قطعية ودلالة العقل ظنية فهنا يجب تقديم دلالة النص كوجود الجن مثلا .



الصورة الثالثة : أن تكون دلالة العقل ودلالة النص كلاهما ظنية هنا يرجح أحدهما وهو ما كان له مرجح .

الصورة الرابعة : أن تكون دلالة العقل قطعية ودلالة النص قطعية وهذه مستحيلة الوجود أصلا ، قلت : لأن المسلم يؤمن أن القطعي من دلالات النصوص لا يمكن أن يناقض القطعي من دلالات العقول ، وغير المسلم يرى استحلالة وجود قطعي يخالف دلالة العقل القطعية ،لكن المسلم هنا لا يسلم بأن ما يذكره غير المسلم هو قطعي من حيث العقل ، بل يظل ظني الدلالة ، فمثلا لو ادعى غير المؤمن أن العقل يدل دلالة قطعية على استحالة البعث بعد الموت ، لم يسلم له المؤمن بهذا ، لأن الدلالة العقلية القطعية لا يختلف العقلاء في قطعية دلالتها ومثل ذلك فقطعيات الدين المتفق على قطعيتها دينيا كإثبات وجود الخالق وإثبات الرسالة لا يمكن إثبات قطعية استحالة وجودها من الناحية العقلية ).



هذه من فذلكات ابن تيمية ..فهو يقول : (إذا وجد تعارض بين العقل والنص ) .. جميل كيف يوجد / ويكشف التعارض بين النص والعقل إلا بالعقل نفسه , الذي كشف عن وجود الأشكال التي سيتم ذكرها تبعاً ..

أولا في قوله : (أن تكون دلالة العقل قطعية ودلالة النص ظنية فهنا يجب تقديم دلالة العقل ) ..من يحدد كون دلالة العقل ( قطعية) أو (ظنية) , وكذلك (النص) ليرجح بينهما , إلا ( العقل) ..! بل إن كل كلام أبن تيمية في هذه الفقرات هو استدلالي (عقلي) في التعامل مع التعارض (النصي/القطعي) ..



كذلك في الحالة الثانية : (أن تكون دلالة النص قطعية ودلالة العقل ظنية فهنا يجب تقديم دلالة النص كوجود الجن مثلا) ..كيف أوجب أبن تيمية تقديم دلالة (النصي القطعي ) على ( العقلي الظني) إلا بالعقل (القطعي) , كذلك وجود ( الجن) ليست من المحالات ..إلا عند الحسي , وهو ليس مذهب عقلي ..فوجود الجن ثبت ب(النص) , الذي أثبت العقل أنه من الله , فسلم بوجود "الجن" لذلك ..ولا يتعارض هذا التسليم مع (العقل) مطلقاً ..إلا إذا اختصر العقل في (المحسوسات) ..



كذلك في الحالة الثالثة : (أن تكون دلالة العقل ودلالة النص كلاهما ظنية هنا يرجح أحدهما وهو ما كان له مرجح) ..كيف علمت (ظنية النص) و (ظنية العقل) إلا بالعقل , وهو المرجح بينهما ..!



كذلك في الحالة الرابعة : (أن تكون دلالة العقل قطعية ودلالة النص قطعية وهذه مستحيلة الوجود أصلا ، قلت : لأن المسلم يؤمن أن القطعي من دلالات النصوص لا يمكن أن يناقض القطعي من دلالات العقول ، وغير المسلم يرى استحلالة وجود قطعي يخالف دلالة العقل القطعية ،لكن المسلم هنا لا يسلم بأن ما يذكره غير المسلم هو قطعي من حيث العقل ، بل يظل ظني الدلالة ، فمثلا لو ادعى غير المؤمن أن العقل يدل دلالة قطعية على استحالة البعث بعد الموت ، لم يسلم له المؤمن بهذا ، لأن الدلالة العقلية القطعية لا يختلف العقلاء في قطعية دلالتها ومثل ذلك فقطعيات الدين المتفق على قطعيتها دينيا كإثبات وجود الخالق وإثبات الرسالة لا يمكن إثبات قطعية استحالة وجودها من الناحية العقلية ) ..



كيف علم ابن تيمية أنه لا يمكن : (أن تكون دلالة العقل قطعية ودلالة النص قطعية وهذه مستحيلة الوجود أصلا ؟! ) إلا بالعقل نفسه , لاسيما أنه أحال إلى العقلاء : (لأن الدلالة العقلية القطعية لا يختلف العقلاء في قطعية دلالتها ومثل ذلك فقطعيات الدين المتفق على قطعيتها دينيا كإثبات وجود الخالق وإثبات الرسالة لا يمكن إثبات قطعية استحالة وجودها من الناحية العقلية ) إذن هو اثبت "القطعية العقلية" بنفي وجود "قطعية عقلية" تنفيها ..! إذن هو يقدم (العقل) .وكل هذه المقاربات هي مقاربات ( عقلية) ..



ودمتم



الحميدي ..

--------------

في البداية أحب أن أشكر الزميل الحميدي العبيسان على قراءته للورقة باهتمام, ثم على مداخلته الثرية التي وددت لو أنها كانت في حلقة النقاش لتضيف ثراءً إلى الموضوع المطروح ولكن قدر الله وما شاء فعل. وكذلك قرأت بكثير من الاغتباط مداخلة الدكتور سليمان الضحيان والنقاش الذي أثارته وأحب أن أعلق فيما يخصني وأعتذر عن التأخر لعدم تواجدي قريباً من الجهاز.



مقدمة لا بد منها:



لم أكن أهدف إطلاقاً من خلال طرحي لهذه الورقة التبشير بحركات الإسلام السياسي والتأكيد على ثوابتها ومسلماتها كما فهم البعض,وشوّش ذلك عليهم فكانت مداخلاتهم منصبة على نقد طروحات الإسلام السياسي بشكل مركز أكثر من اتجاهها إلى نقد القراءة لأثرها على المجتمعات العربية. أوافق على كثير من النقاط التي أثيرت في نقد الحركات وأخالف في بعض ولكن ذلك كله لم يكن موضوعي. لقد كنت أحاول إثارة بعض الأسئلة حول الأثر المحوري الذي لعبته هذه الحركات إن سلباً وإن إيجاباً؛ وما أبرز مظاهر هذا الأثر؟ ما هي جذوره؟ ما العوامل الداخلية والخارجية التي غذت ذاك الأثر أو كبحت من حدة ذاك؟ وهل يمكن الاستفادة من هذه القراءة في نقد الخطاب الإسلامي السعودي؟ أؤمن بتقازم طرحي أمام هذه الأسئلة ولكني أراها أسئلة مستفزة لعقول متوقدة تضمها حلقتنا النقاشية وذلك ما كان ولله الحمد, واحتوت الورقة الكثير من الإشكالات التي تجاوزت معالجتها لأن ذلك لا يخدم موضوع الورقة وهي في نفس الوقت مادة مهمة يمكن أن تكون موضوع ورقات قادمة.



بالنسبة لما ذكر الأخ الحميدي حول شعار: "الإسلام هو الحل" ونقده له, والأسئلة التي أثارها شيء نتفق أنا وإياه فيه في معظمه ولكن الذي نتفق فيه بشكل مؤكد وتفصيلي هو أن هذه الحركات استخدمت هذا الشعار إبان أزمة الهوية التي تولدت من الشعور بالضعف والتخلف, وكنت أقصد من ذلك أن أقول أن نشأة هذه الحركات كانت ردة فعل على أزمة ولم أقصد بذلك التسويق لهذا الشعار الذي وجد لخدمة السياسة لا لخدمة الإسلام.



أما النصوص قطعية الدلالة فلا أزيد على ما ذكر الدكتور سليمان الضحيان, فقد قال وأجاد ولا أجاريه في هذا الجانب, غير أن التدخل البشري في تنزيل الحكم على واقعة معينة لا ينفي عن النص صفة القطعية بل ينفيها عن الاجتهاد حال تناوله لهذا النص, وهذا فرق مهم. إذ نتفق أنا وإياك في فهم آية السرقة بأنها تدل قطعاً على أن السارق تقطع يده ولكن نختلف في تطبيق ذلك على الحالات المختلفة ومن ذلك عام الرمادة من خلال إعمال نصوص أخرى في توجيه الحكم لا توجيه المعنى. فالنص بقي على دلالته من دون تحريف أما الفهم والتطبيق فهو محل اخذ ورد كونه جهداً بشرياً غير معصوم حتى إن صدر من خليفة راشد بحجم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. وأرى أن نقاش الأخ الحميدي للدكتور الضحيان يخلط بين دور العقل في إثبات قطعية النص ودوره في فهم النص بعد ثبوت قطعيته ففي العملية الأولى يكون مؤداه التصديق بأن هذا النص قطعي بغض النظر عن محتواه وفي العملية الثانية يحاول العقل فهم محتوى النص ليتم العمل والتسليم. فسلطة النص على العقل سلطة فرضها العقل نفسه وهذا نسميه الإيمان بالنص. ففي إطار الإيمان يجب على العقل ألا يطغى على النص بعد أن ثبت له قطعيته وإلا شكك في قطعيته وهذا تناقض.



ثم يذكر الأخ الكريم في معرض اعتراضه على أوصاف الإسلام التي زعمتُ بأنها أبقت على صفائه وحمته من الاندثار بأن تخصيص دين معين بهذه الأوصاف يكذبه الواقع, وأنا أوافق؛ وليس في كلامي ما ينفي هذه الصفات عن غيره ولا أملك أن أطلق حكماً كهذا لمحدودية اطلاعي على غيره من الأديان, ولكني أثبت هذه الأوصاف للإسلام ومن شأنها أن تبقي على صفائه وتمنحه صفة التجدد وتبقيه عصياً على التقادم. ويذكر الأخ العزيز بأن معرفة البعد الأخلاقي للنص الديني, يستلزم معرفة أخلاقية سابقة على النص وهذا صحيح لغير المؤمنين بهذا النص الذين لا يؤمنون بالنص بشكل تسليمي ويحتاجون معه لمعيار يقيس مدى أخلاقية ما يأمر به, أما مجال دراستنا (المجتمعات العربية) وهي مجتمعات مسلمة ترى في النص شيئاً سماوياً يلزم التسليم له والإذعان وإن بدا للعقل المحدود أن ما يأمر به غير أخلاقي. إذ النص هو معيار الأخلاق لا العكس بوصفه تجسيداً للكمال المطلق في كل شيء – عند المؤمنين به على الأقل - .

ناقش الأخ الحبيب ماطرحته على أنه مبادئ عامة لطرح حركات الإسلام السياسي, وهي مبادئ لم أكن أبين فيها رأياً بل كنت أحكيها عن حركات الإسلام السياسي ونقدها مادة دسمة لورقة يمكن أن تطرح في حلقتنا الفكرية, ثم عرج على سمات هذا الخطاب وطرح بعض الإشكالات:

1_ كذلك خطاب ( شعر القلطة) خطاب تبسيطي , وسهل للجمهور .!

هذا صحيح ولذلك له رواج شعبي كبير جداً ولكنه يفتقد هالة القداسة وإلا لكان أكثر اكتساحاً من حركات الإسلام السياسي J

2- هل المعارضة تمثل "المصداقية" دوماً؟! ..

في الوعي الشعبي العربي الذي يعاني من ويلات الأنظمة, في الغالب: نعم.

3- ماذا أضافت هذه الحركات للحداثة من ناحية إيجابية ؟!

كنت أقول بأنها تفاعلت إيجابياً مع الحداثة فاستخدمت الوسائل الحديثة لتحقيق أهدافها وإن بدا في أدبياتها الحذر مشوباً بالرفض.

4- حتى خصوم الحركات الإسلامية من الإسلاميين التقليديين , ينطلقون من صبغة دينية , في مجتمعات لها ذات الصبغة ..! فما الذي يجعل بعضهم حجة على بعض ؟!

ليس بعضهم بحجة على بعض بل كلهم يلقى رواجاً شعبياً لأن خطابه ينطلق من صبغة إسلامية. ولكن حديثنا مقتصر على الخطاب السياسي والمنطلقات الدينية شعبياً مقدمة على المنطلقات العقلية وليس في كلامنا هذا أي أحكام قيمية بل محاولة لتشخيص الواقع لا غير.



أما سؤال الإسلام والسياسة فقد كانت إجابتي واضحة يوم حلقة النقاش وهي مخبأة في ثنايا ما نقلت من كلام عبد الوهاب الأفندي وكيف أن التناول الاجتماعي للظاهرة الدينية ينظر إليها بوصفها داءً يصيب المجتمعات يجب أن نبحث أسباب تفشيه وسبل علاجه, وذلك منطلق من مسلمة: أن لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين, وهذه المسلمة لم تخضع للتدقيق والنقد اللازم, ولذلك واجهت هذه الدراسات معضلة الصحوة بكثير من الذهول إذ كانت هذه النظرة المسبقة تراهن على أن التحديث سيقود إلى العلمنة؛ بينما ترجمت المجتمعات العربية ذلك بصحوة دينية مما يدل على أن الإسلام ليس مصادماً للتحديث, واقتران السياسة بجوهره لا تلبسها جموداً بقدر ما تمنحها بعداً أخلاقياً أدى إلى انتشار الإسلام في قرون شباب دولته.

أخيراً: كيف يجوز لها تقويم وتقديل القيم , ولا يجوز ذلك لغيرها ؟! تحرير العبيد , وزواج الصغيرات , والتفاوت الطبقي , والعرقي , سمات المجتمعات المسلمة ..وهذه قيم تم تقويمها انطلاقا من اعتبارات أخلاقية أكثر من كونها دينية , كتحرير العبيد , الذي قاده أبراهم لينكون ..! وكما ذكرنا سابقا الاعتبار الأخلاقي , سابق (للنص) . وهو الذي حدد أخلاقية ( النص) ..



لم أكن أمنحها حق تقويم القيم الاجتماعية دون غيرها بل كنت أحاول إيجاد مقارنة بينها وبين منظمات المجتمع المدني من حيث كونها تضع قيم المجتمع على طاولة البحث, وتمارس في حدودها المشروعة التغيير في المجتمع, أما أسبقية الأخلاق على النص فأختلف معك في ذلك وهو موضوع مهم يمكن أن يخصص له ورقة مستقلة.

مع شكري وتقديري

عبد الله

----------



الضحيان : لا خلاف كبير بيننا يا دكتور الحميدي



قرأت تعقيب الدكتور الفاضل الحميدي وأنا مغتبط بهذا الحوار ومسرور جدا به ، واكتشفت ألا خلاف كبير بيني وبينه على الحقيقة ؛ إذ اتضح أنه لا يخالف في تقديم النص في أمور العبادة المحضة ، وأن الالتباس الذي وقع من فهمي أنا ؛ إذ قال : ((كذلك ما هو ( قطعي ( حينما يستدل به في سياق "ظرفي" , يفقد ( قطعيته) ليكون "ظنياً) ..وما يدخل في السياق (الظرفي) ليس من قبيل العبادات , وإنما من قبيل المعاملات , وهذه قرينة في غاية الوضوح )) .



واتضح أيضا أن غالب الخلاف بيني وبينه إنما هو خلاف غير حقيقي ، وإنما هو في جهتي الكلام مني ومنه ، إذ هو يتحدث عن الإثبات العقلي ابتداء حيث قال : ((..كما لا ينفي أن مصدر التسليم ب(القطعيات) هو لثبوت مصدرها الإلهي بالعقل , الذي اثبت عصمة (النص) , و ( النبي) الحامل له )) ، وأنا أتفق معه إجمالا إلا أن ثمة نقطتينبقي فيخا الخلاف وهما :

أولا : تحدث أخونا د الحميدي عن أن طريق معرفة الأصول ( الله / الرسول / المعاد / الرسالة وأركانها ) إنما تكون بالعقل ، لأنها لو كانت بالنص لكانت مصادرة على المطلوب ، قلت : نعم أتفق معه على أن إثبات وجود الله ابتداء إنما يكون بالعقل ، ثم إثبات حاجة البشرية لرسول ولرسالة ومعرفة إنما يكون بالعقل أيضا ،

لكن تعيين شخص الرسول ، والرسالة وأركانها لا يمكن أن يكون بالعقل ؛ لأن العقل يجوِّز أن تكون الرسالة لأي شخص وبأي صفة ، وبأية أركان ؛ وإنما يكون بدليل من خارج العقل فتعيين الرسول يكون بمعجزات حسية خارقة ، أو بإخبارعن مغيبات ، وكلها أمور غير خاضعة للعقل. ( طبعا سيقول الدكتور كيف نعرف أنها معجزات أو أخبار غيبية إلا بالعقل ؟ ، طبعا هذه المعرفة لا تسمى عقلية لأن ما تسمى معرفة عقلية لابد أن يكون العقل مستقلا بها أي خارجه منه ومن تفكيره لكن إدراك الحسيات وغيرها تظل دليلا حسيا لا عقليا كما نص على ذلك الفلاسفة فمعرفة أن النار حارة محرقة ليست معرفة عقلية بل حسية ، وروية ثعبان موسى وإدراك أنه معجر أمر حسي مشاهد بالعين )

وتعيين أركان الدين لا يكون إلا بالنص فقط بعد تحقق الإيمان بالله المرسل ، والنبي المرسل ( لكن تعيين دلالة النص أمر عقلي كما سيأتي لا حقا في ( ثانيا ) )

هذا من حيث إثبات أصل الإيمان فإذا ثبتت الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم هنا يطرح السؤال : هل يقدم العقل على النص الذي جاء به الدين أو يقدم النص على العقل؟

وهي المسألة التي اشتهرت في التاريخ الإسلامي في علم الكلام ، بين المتكلمين من المعتزلة و الأشاعرة من جانب ، والحنابلة وأهل الحديث من جانب آخر ، حيث يبدأ الكلام فيها من فكرة ( أول واجب على العباد ) ، ففرق المسلمين مجمعون على أن أول واجب هو ( الشهادتين ) لكن يختلفون في طريقة معرفتها فأهل الحديث والحنابلة يقولون معرفتهما عن طريق النصوص الشرعية والفطرة ، والمتكلمون من الأشاعرة والمعتزلة تكاد كلمتهم تجمع على أن أول واجب على العباد المكلفين هو ( النظر ) يقصدون بذلك النظر في الأدلة العقلية، ، وقال بعضهم القصد الى النظر وقال آخرون منهم إرادة النظر وقال بعضهم اعتقاد وجوب النظر ، ولبعضهم كلام طريف سبق به ديكارت إذ يرى أ أول واجب هو الشك في النظر ، وأذكر أننا أيام الطلب حفظنا قول السفاريني في منظومته ( وأول واجب على العبيد ... معرفة الإله بالتسديد ) وكان مشايخنا يعيبون على السفاريني قوله ( بالتسديد ) ؛ لأن محصله البحث في الأدلة العقلية ويبدلون كلمة ( التسديد ) بـ( التوحيد ) ، ومن وجهة نظري أن الخلاف في هذه المسألة هين ويسير، وأن الأمر راجع للمكلف ومدى يقينه وإدراكه ومعرفته .



ثانيا : لاحظت على الدكتور العزيز أنه في محاورته وفي نقده لكلام ابن تيمية ظل يتحدث عن عمل العقل في النظر بدلالة النص لا بالاحتجاج به في مقابلة العقل ، ولا أحد يعارض الدكتور في هذا ؛ إذ لا شك ولا ريب أن العقل مناط التكليف ، وعمل الفقيه كله هو عملية عقلية وبهذا الاعتبار ، فإن إدراك دلالة النصوص الشرعية عمل عقلي لا أحد ينازع فيه ؛ إذ من لا عقل له ليس بمكلف أصلا فضلا عن أن يكون مجتهدا ، والنص من دون إعمال العقل فيه صامت غير ناطق ، فاستشهاد الفقيه مثلا بالنص المنقول على وجوب الصلاة هو عمل عقلي إذ معرفة دلالة النص على الحكم هو دلالة عقلية ، وقد وجدت أخينا الدكتور الحميدي في رؤيته لتقديم العقل على النص ينطلق من هذه الرؤية ، ولا أحد يخالف الدكتور في هذا إطلاقا .

وقد اتفق الأصوليون على أن ( القطعية ) في النصوص لها جهتان

الجهة الأولى : قطعية الثبوت

الجهة الثانية : قطعية الدلالة

فالنصوص بالنظر إلى ذلك لها أربع صور :

1- نص قطعي الدلالة قطعي الثبوت كقوله تعالى ( محمد رسول الله )

2- نص قطعي الثبوت ظني الدلالة كقوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهم ثلاثة قروء )؛ فهو قطعي الثبوت إذ هو من القرآن، لكن دلالته ظنية إذ دلالة القرء مختلف فيها بين الحيض والطهر .

3- نص قطعي الدلالة ظني الثبوت كقوله صلى لله عليه وسلم (( إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا )) إذ دلالة الحديث ومعناه واضح قطعي الدلالة على المراد لكن الحديث غير ثابت ، ولو ثبت فهو غير متواتر .

4- نص ظني الثبوت ظني الدلالة كقول الرسول (( لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب )) ، إذ الحديث ليس متواترا ، ومعناه غير قطعي إذ يحتمل نفي الصحة ، ونفي الكمال .

ولا يسمى النص قطعيا إلا إذا توفرت فيه جهتا القطعية ( الثبوت و الدلالة ) ، نستخلص من كل هذا أنه لا أحد يخالفك في أن تحقيق دلالة الحديث هل هي ظنية أو قطعية ؟ إنما هي عملية عقلية من إعمال عقل الفقيه ، وليس هذا محل إشكال فهذا متفق عليه لا يخالفك فيه لا حنبلي ولا غيره . لكن الإشكال هنا الذي يجب أن يبحث هو : إذا ثبت قطعية دلالة النص على معنى من المعاني مثل قوله تعالى (( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما )) ، - فهذه الآية قطعية الثبوت وقطعية الدلالة - ثم عارض تلك الدلالة العقل كأن يرى أحد الفقهاء أن العقل اليوم يرجح ترك القطع لمصلحة يراها ، فهنا أيهما نقدم : دلالة الآية القطعية أو دلالة العقل ؟



إلا إن كنت ترى أن دلالة مثل هذه الآية على ( القطع ) ليست قطعية بل ظنية لأن عمل الفقيه اجتهاد في معرفة الدلالة ، أي أنك تخالف إجماع الصحابة وفعل الرسول وإجماع فقهاء كل المذاهب في تلك الدلالة ، وترى إجماعهم على معناها ليس دليلا على قطعيته ، وهنا يرد إشكال آخر وهو ما ضابط الدلالة التي يؤخذ بها ؛ هل مجرد المعنى اللغوي ؟ فـ( القطع ) في اللغة من معانيه ( الترك ) فيكون معناها فاتركوا أيدهما

ثم على القول بالمعنى اللغوي هل يخضع المعنى لتغير الظروف فما كان دالا في القديم اليوم يمكن تجاوزه إلى معنى جديد ؟

، أو أن ضابط القطعية إجماع فهم الصحابة المعاصرين لوقت تنزيل النص والمخالطين لصاحب الرسالة ؟

وإذا أخذ برأيك - إن كنت تقول إنها ليست دلالة قطعية - فمعنى هذا جواز أن يقال إن دلالة النص على ركنية الصلاة والصوم والحج ليست قطعية بل ظنية ، لأن الحجة التي جوزنا بها رد دلالة قطعية النص على القطع في السرقة موجودة في دلالة النص على الزكاة والصلاة والحج ، والتفريق بينها تحكم غير علمي إطلاقا ، ومحصل هذا أن القطعية لا ضابط لها .

نعم يبقى الخروج من كل هذه الفذلكة والمتاهة أن يقال إن دلالتها على قطع اليد قطعية لكن لوجود مصلحة ما اليوم لا يفعَّل الحكم ، لأن أحكام المعاملات معلق على المصلحة فهذا القول - مع ما فيه - أهون من إلغاء الدلالة القطعية لأنها تؤصل لمنهج قوضوي وغير علمي إطلاقا في التعامل مع النصوص



ملحوظة مهمة

قانون تقديم العقل على النقل لدى المتكلمين إنما هو في نصوص الأخبار لا الأحكام ، أي النصوص التي تتحدث عن الله وصفاته ، والأنبياء والجن والملائكة ، والقصص والوقائع ، فالرازي طرح قانونا وهو : إذا تعارض العقل مع النقل قدم العقل ، إذ العقل أصل النقل فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحا في العقل الذي هو أصل النقل والقدح في أصل الشيء قدح فيه فكان تقديم النقل قدحا في النقل والعقل جميعا فوجب تقديم العقل ثم النقل إما أن يؤول أو يفوض .

وابن تيمية له قانون آخر سبق أن أوردته في تعقيبي الأول

أما في مجال الأحكام فنجد أن الرازي صاحب القانون المذكور آنفا يرتب الأدلة في كتابه المحصول كما يصنع أهل الحديث ، ويقرر أنه لا يصار إلى القياس والاستصحاب وغيرها من الأدلة العقيلة إلا إذا عدم النقل .

ولم يطرح في التاريخ الإسلامي – فيما أعلم – رؤية متكاملة لتقديم العقل على النص في الأحكام ، وإنما كانت ممارسات من فقهاء مدرسة أهل الرأي وليس تقعيدا متكاملا ، وبعض الباحثين يعزو ذلك لقلة تمكن أهل الرأي من الحديث ، وعلى كل الأمر يحتاج إلى دراسة موسعة متزنة

أخيرا أشكر الصديق المبدع الحميدي على تعقيباته الثرية ، وعلى إثارته لمثل هذا الموضوع الثري .



د سليمان الضحيان

أنتهى الحوار ..